العدد 28 - لبنان القيمة والتناقضات
لبنان القيمة والتناقضات
 لبنان الطوائف والمذاهب والعصبيات هو أيضاً لبنان الحريات السياسية والدينية والمدنية. لبنان الوطن الواحد هو أيضاً لبنان الاوطان. لبنان المستقًر هو أيضاً لبنان حافة الهاوية. لبنان الدستور والنظام هو ايضا لبنان مخالفة الدستور والقوانين. لبنان الانفتاح والثروات المعولمة هو أيضاً الملاذ الاخير لمواطنيه ولسواهم في زمن المحن والازمات.

حالة متأرجحة بين شرق وغرب، "شطارة" وقداسة، دين ودنيا، عصرنة وتقاليد. خصائص تستدعي أنصاف الحلول لعيشها المشترك وتسويات بمعايير مبعثرة. الجسور في لبنان في الاتجاهين: تلاق وحوار، نزاع وفرقة. حالة صُنعت في لبنان ومن أجله، لا سيما ان لبنان حاجة لاهله وقد يكون مصدر احراج لسواهم. ما يقال في العلن عندنا، يقال في السر في المحيط المجاور. هكذا لبنان، بلد التناقضات، كان وسيبقى، وما مخاض قانون الانتخاب العتيد سوى انعكاس لهذا الواقع.

في السياق العام، منذ نشوء الدولة في 1920، جاء مسار لبنان معاكساً للتوجهات السائدة في المحيط الاقليمي ولا يزال. أحزاب لبنان وجمعياته يحكمها قانون من نتاج عثماني في مطلع القرن الماضي، الا انه أكثر ليبرالية وانفتاحاً من قوانين الثورة والايديولوجيا. دستور 1926 أكثر مدنية وحداثة من دساتير الانظمة التقدمية. ستينات لبنان في القرن الماضي لم تكن أقل صخباً ورفضاً للامر الواقع من ستينات أوروبا. مقاومة الاحتلال كانت أشد فتكاً لمقولة التفوق الاسرائيلي من حروب الجيوش وامكاناتها. الانتفاضة الشعبية رفضا للوصاية لا تقل شأناً عن حركات التحرر التي شهدتها دول أوروبا الشرقية بعد الحرب الباردة. وفي الحالتين، الانقسامات الداخلية لم تحل دون تحقيق الهدف المنشود. لسنوات كان لبنان ساحة وحيدة لحروبه ولحروب الآخرين. أما اليوم فساحات القتال مفتوحة في دول الجوار، بينما لبنان ساحة ضيقة لنزاعات غير معسكرة وملاذ للآتين من اتون حروب الدين والدنيا المعولمة.
 
 ومن لبنان انطلق مشروع الرئيس رفيق الحريري بإرادة وثبات وبدّل انماط الدولة والمجتمع. وفي لبنان حجزت أحزاب اليمين واليسار مواقع لم تكن بمتناول مثيلاتها في دول المحيط العربي. وفي لبنان قوى سياسية أكثر حركة وحرية ونفوذاً من أحزاب السلطة وخارجها في المنطقة. وفي لبنان حداثة شكلية وتوريث سياسي مشروع بنظر مريديه. ولا يزال لبنان العنوان المضمون لمن أنجز ونجح في بلدان الانتشار سعياً وراء مقام ضمن البيئة التي تركها، هو أو من سبقه.

وفي لبنان عيش مشترك معاش، نتاج التجربة اللبنانية في نجاحاتها واخفاقاتها، في سلمها وحربها، في حلوها ومرّها، وفي امكنتها المغلقة ومساحاتها المفتوحة. حالة من التناقضات لا شبيه لها بين دول المنطقة ومجتمعاتها التي اكتشف نبضها منذ قرون ابن خلدون وحاول الكواكبي ومحمد عبده وسواهما اطلاق مفاهيم جديدة لموقع الدين في مسارها التاريخي، ولا في دول ومجتمعات جون لوك وروسو وقبلهما مارتن لوثر.
حالة شائكة، بلا شك، بحاجة الى عناية دائمة. وفي حضرة هذا الواقع تطلّ الدولة برؤوس تجمعها مساكنة بين حدّين: دولة الضرورة بالحد المتاح لاستمرارها وأخرى يتم البحث عنها منذ انتهاء الحرب في مطلع التسعينات.
أما في الجوار الاقرب فلم يعد للقياس مقياس ولا للحرمات حدود، وللدين خاطفون بأبشع ما يختزنه الكائن البشري من غرائز مقيتة.

فاذا كان الصراع على السلطة حتمياً وجائزاً، فإن المطلوب اليوم صراع على سلطة تعطي بقدر ما تأخذ، تبني المساحات المشتركة وتعيد الاعتبار الى القانون والحيّز العام. انها تحديات برسم العهد الجديد بمعايير انتجها توافق غير مسبوق بعد مخاض طويل. الفرصة متاحة مبدئياً في الداخل ومن الخارج وبنصاب كامل هذه المرة.