العدد 28 - كتاب: "كمال جنبلاط الانسان"
كتاب: "كمال جنبلاط الانسان"
 كتاب: "كمال جنبلاط الانسان"
المؤلف: كمال ابو مصلح
الكتاب: 250 صفحة – حجم وسط (21x14)
الطبعة الثالثة: آذار 1987 (الطبعة الاولى 1979)
الناشر: الدار التقدمية – المختارة – الشوف – لبنان

المؤلف يوضح : لماذا هذا الكتاب؟
يقول المؤلف في مدخله للكتاب "شرعت في وضع الكتاب وطير الردى فوق البلاد حائم، وغول الهول يفترس القلوب، ورعدها مدافع صواعقه قذائف تنثر الرماد، وبيروت بركان ثائر يحترق بوهجه اهل الوطن. ليلة اطول من آهة الشقي، كان فيها كمال جنبلاط عملاقاً يجلو للمروعين مسارب النجاة ويطرد من حولهم الاشباح، وقد مدّ يداً لسد الفوهة القذافة ، ويداً يحجز بها الحمم على الامتداد. فهل يشرع لي – والحالة هذه – اقل من اضعف الايمان كلاماً ادونه، ممجداً به الوجه الوضّاء في الليلة الهيماء ، او حامداً اليد التي تمسح كلوم المنكوبين البائسين بمسحة رسل السماء " (ص. 9 - 10)
هذا الكتاب تم وضعه اذن ابان الحرب التي عصفت بلبنان سنة 1975، وانجز سنة 1979 اي بعد سنتين على استشهاد المعلم كمال جنبلاط، واراده كاتبه تعبيراً عمّا عايشه وشعر به، وحدّد الهدف منه بهذا القول: "انت تقرأ بحياة كمال جنبلاط ، حياة الفضيلة ، وبعظمته عظمتها، وبعذابه عذابها، وبغربته غربتها، وتقرأ بموته موت الحق، بهزيمته انتصار الباطل، وتسمع بأقواله صوت الحكمة " (ص. 14) . ويضيف مبرراً ما اقدم عليه بالقول: "ان كمال جنبلاط مثال اعلى في الناس، تصلح سيرته ان تدرّس لتخلق بتدريسها الرجال لأمّة ما زالت تضرب على غير هدى في التوجه الى ما تتوجه اليه الامم الحية من اهداف العزّة والمنعة والكرامة والمجد.. وهب كمال جنبلاط الناس كل طرفة من اجفانه وكل خنقة من فؤاده، وكل تأملة من تأملاته ، وكل حلم من احلامه فجاد بنفسه من دون ان يسأل وكان سيد شهداء العصر." (ص. 16)
يرى الكاتب في كمال جنبلاط : "سياسي ناجح قدوة في السياسيين، ومفكّر عميق الفكر شامله في المفكرين، وزعيم امل فذّ في الزعماء، وحكيم حليم رصين في الحكماء. ومشعل ثورة وشرارة تحرير في الثوار. وشاعر ألمعي في الشعراء. وعالم شامل الثقافة في العلماء. وزاهد هانت عنده الدنيا في الزهاد.... (ص. 23)"
 
 ماذا في الكتاب:
الى جانب الاهداء والمدخل وتحديد النهج المعتمد للعمل قسّم المؤلف كتابه الى ثلاثة فصول:
 
 - في الفصل الاول:
حمل هذا الفصل عنوان محبة واحترام، وحاول المؤلف فيه ان يعبر عن محبته واحترامه لكمال جنبلاط مقدّما المبررات لهذه المحبة ولهذا الاحترام. ومما اورده نختار : "تقع عينك على رجل ، فيقع من نفسك موقعاً حسناً لأول وهلة، وتميل اليه، فاذا تفرّست فيه، ارضتك ملامحه، وجذبك شخصه... واذا حدّثك ازددت اليه انساً وبه تعلقاً ، تشتاقه اذا ابتعد ، وتهفو اليه اذا غاب عن ناظرك ... من هاتيك الطينة كان كمال جنبلاط ، يتبعه القلب اذ تلمحه العين، وتتألق من حوله هالة نورانية، لمن رآه بعد سماع (ص. 25 - 26)"
ويورد في الصفحة 25 من الكتاب "وانتصب كمال جنبلاط في السياسة مدافعاً عنيداً عن حق الشعب لا يهاود ولا يهادن. واقلقه غطيط ضمير الحكام، وازعجته رائحة العفن المنتشرة في اخلاق السياسيين. ورأى مقاييس العزة تنهار، فهبّ لتدعيمها ووقف انهيارها. ورأى الموازين تختل، فنادى بإصلاحها."
 
 - في الفصل الثاني:
في هذا الفصل يتحدث الكاتب عن الصفات التي تحلى بها كمال جنبلاط ، ويقول على سبيل المثال : "الزهد اولى الصفات وكان "زهده" زهد القادر المستطيع طالت باعه، لو اراد دنت له، ودانت له، كل رغبة تنزو اليها شهوة الضعفاء، لكنه غضّ الطرف أنفة من كل ما يدنّس نفس الحكيم الحكم... لم يكن ما حول كمال جنبلاط يدعو الى التقشّف وترك مباهج الدنيا وملذاتها، بل كان ما حوله الى الضدّ يدعو... صغرت الدنيا في عين كمال جنبلاط، وهانت عنده مطامعها، وتلاشى في اذنه نداء الشهوات، واعرض عن المادة (ص. 47 - 50)"
وفي مكان آخر، في الصفحة 71 من الكتاب يقول الكاتب: "مال كمال جنبلاط عن حب المال ، فما شغله يوماً كما شغل الناس ، ما فكّر يوماً في جمعه او التمسك به، بل كان يجود به سخياً مبادراً الى الجود. قضى وهو مدين مال ودائن عطف وكرامة واحسان." وعن صفة الشجاعة عند كمال جنبلاط يقول الكاتب في الصفحة 108 – 109: "تمثّلت الشجاعة في كمال جنبلاط في صفتها المثلى اذ من الشجاعة ما لا يحمد عندما تتجاوز ضوابط العقل وتصبح تهوراً. ولم يكن كمال جنبلاط في شجاعته الا مدافعاً عن عدل ، او مندفعاً بنخوة، او ناصحاً عن ضعيف وفقاً لمبدأ."
 
 - في الفصل الثالث:
عنوان هذا الفصل "بواعث"، يبدأه الكاتب بوصف مسهب عن سهل السمقانية ، ويسترسل في تبيان اسباب حبه وتعلقه بهذه المنطقة وبطبيعتها الخلابة، ويقول: "هنا يبتسم لك الله بثغر الطبيعة، ويلقي في روعك مهابته من خلال هيبتها، فاذا انت اقرب الى اعتدال المزاج ، وسماحة الطبع، وذكاء القلب، وكرم الخلال . وانت هنا اشرف هماً، واصفى نفساً ، واصحّ جسماً، وانضر عقلاً، لانك في الطبيعة وهي حضن الله، ولانك لست في المدينة وهي حضن الشيطان. (ص. 147)"
وينتقل الكاتب لوصف المختارة ويتغنى بطبيعتها وبجمالها كمقدمة للحديث عن البيئة التي عاش فيها كمال جنبلاط. ويقول: "في قلب ذا الوادي ولد كمال جنبلاط، وعلى صدر ذا الوادي درج ، وفي حضن ذا الوادي استراح، وبأنفاسه استدفأ، وبسحر ذا الوادي جبل حسّه . فلا يسألنّ احد بعد اليوم : لم كان كمال جنبلاط شاعراً؟ ولا يسألنّ احد من بعد، لم كان ذواقة فن؟ (ص. 160)"
وبعد ان يسهب الكاتب في حديث ديني معتقدي توحيدي ، من خلال وصفه للاجاويد يقول: "بين هؤلاء الاجاويد انفق كمال جنبلاط صباه، شهدهم في قاعات القصر زائرين، سمع منهم ما سمع، واعجب منهم بما اعجب.... افمن الغرابة في شيء ان يخلف هؤلاء الكثير من سماتهم تظهر في خلقه بارزة لا تخفى على المتفحص البصير. (ص. 198)"
ويختم الكاتب كتابه بهذه الدعوة: "هيا، يا كمال ، ان هذه الارض تنتظرك وكفها على انفها. فقد كادت تخنقها رائحة الفتن. والكرامات ملهوفة تستغيث وقلوب الناس مأخوذة مذعورة فقد اطبق في جوها ظلام كثيف... ايه ، يا كمال، اعدّ عدّتك، وحدّد محراثك . فالنفوس بور ملّت هشيمها الذي ترعاه السوائم ، والعقول موات مدفونة خيراتها في دفن الجهل . فعسى ان تفض عن النفوس غلاف الركود ، وتنقب ارضها وتحولها الى جنة غنّاء. وعسى ان تفتق العقول... تنكّب جهدك، فإن لديك امانة يجب اداؤها وان لك رسالة يجب تبليغها.... لك المجد يا كمال جنبلاط، بمولدك ولك المجد بما قدمت في حياتك ولك المجد بمصرعك. ولك المجد بما تركت بعد مماتك. (ص. 248 - 249)"
في خلاصة الكلام على هاذ الكتاب انه كتاب مناجاة وكتاب تعلّق بالشوف وطبيعته وبكمال جنبلاط وما تميز به من خصال حميدة. انه كتاب تلذّ قراءته لانه حديث انسان محب لانسان يحبّ.