العدد 27 - الحرية كما رآها الشيخ يوسف الخازن
الحرية كما رآها الشيخ يوسف الخازن
 الحرية ليست كما فهمها الناس اي التهتك والاسترسال في كل خلاعة وسفالة وضلال وجهالة، بل هي المثال الجميل والروح الطيبة التي تحيا بها الامم. ففي الحرية تحيا الامم، وفي الخلاعة تموت، والموت والحياة لا يجتمعان في أمر واحد. والحرية بالمختصر هي ان تتاجر مثلاً ولا تعطل اعمالك., وان تتكلم بما تراه مفيداً ولا يقطع لسانك، وان تستقل بأمورك ولا تسخر لسواك، وان تكون سيد نفسك لا عبدا لغيرك، وان تتبع السياسىة التي تريدها وتجاهر بما تريد ولا يقطع عنقك.

هذه هي الحرية التي انارت العالم بالعلم وحلّته بالفضيلة ورقّته بالنظام وسارت به في منهاج الفلاح والصلاح والنجاح على ان للحرية حداً ومنتهى كما ان لكل امر في هذا الكون حداً وآخراً. وعدم الابتداء والابدية صفتان من صفات الخالق لا المخلوق. حريتنا لها اول ولذلك يجب ان يكون لها آخر. اي ان حرية الواحد من الناس تنتهي حيث تبتدئ حرية الاخر. فحريتي ان اتكلم عن كذا مثلاً مما يعنيني ويهمني، وآخرها عندما اصل الى شؤون غيري فلا يجوز لي ان اتعدى اليها وان امسها، فهذا منافٍ للحرية.
وكما ان حرية الواحد من الناس حدها بدء حرية الاخر، فكذلك حرية هذا الفرد مع نفسه حدها بدء، كل شأن من شؤونه. فمثلاً، من استعمل حريته في الاكل تنتهي هذه الحرية عند الشبع حيث يكون قد وصل الى حدود التخمة. ومن استعل حريته في الانفاق تنتهي هذه الحرية عند بدء بدء الاسراف.
ونحن الشرقيين قتلنا في الماضي الاحتياج الى الحرية، فلما اتيح لنا الارتواء منها تعدينا حدودها فأخطأنا، واعتبرنا انها تجيز لنا السباب والطعن والقذف بحق الاخرين. وبرزت الحاجة لان تقترن الحرية بالقانون ليتعادل الامران وتقام الحدود ، ويمنع التجاوز ويعاقب المتجاوز.
(جريدة الاخبار المصرية في 18 شباط 1899)