العدد 27 - دراسة: عصر المشاركة التضامنية انطلق وسيبدّل كل شيء
دراسة: عصر المشاركة التضامنية انطلق وسيبدّل كل شيء
 في السنوات الاخيرة برزت في المجتمعات الاوروبية والاميركية ظاهرة اجتماعية جديدة، اجتاحت المدن بشكل خاص. مشاركة في استخدام السيارة للذهاب الى العمل، الاستخدام المشترك للادوات المنزلية بدلاً من التملك الفردي لها. روح جديدة للتعاون والتضامن والمشاركة انطلقت، وجاءت نتيجة طبيعية للتعطش المتزايد لعلاقات اجتماعية  اوثق تحد من كلفة العيش وتزيد من الانتاجية، وتسهيل ايجاد الحلول لما بات الانسان يواجهه في يومياته من تعقيدات في المنزل والتنقل والعمل.
والظاهر ان المجتمع اليوم آخذ في الانتظام على اسس جديدة بمعزل عن الانظمة التقليدية المعروفة ، فهل اصبحنا على عتبة عالم مختلف؟
تفيد المعلومات المتداولة ان فرنسا اليوم تأتي في مقدمة البلدان التي تمارس فيها الاشكال الجديدة للتشارك والتعاون والتضامن، خاصة في مجالات: الاستخدام المشترك للسيارات، وتبادل السكن بين الافراد والاستخدام التشاركي للادوات المنزلية، وللثياب وغيرها. ولهذه الغاية والترويج لها تتأسس مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، معتمدة على روح الرغبة في التعاون وتبادل الثقة  والتشارك في استخدام الاشياء بدلاً من امتلاكها الفردي. هذا المنطق شقّ طريقه بنجاح وبسرعة فائقة، ومن شأنه قلب الاوضاع كلياً في قطاعات متعددة عما كانت عليه من قبل.
وهذا نموذج حيّ عن هذا المنطق الجديد: كريستوف مواطن فرنسي، يملك في باريس "استديو" مساحته 40 متراً مربعاً، حصل على عمل مؤقت في بيروت لمدة ثمانية اشهر، ففكر بأن يعرض الاستديو للايجار خلال فترة غيابه. وبدلاً من اعتماد الاسلوب التقليدي انشأ موقعاً الكترونياً للتواصل، وحصلت المفاجأة: اتصالات من كل مكان : اميركيون ، استراليون، صينيون وغيرهم، رغبوا في استئجار الاستديو، في فترات متفاوتة. وهكذا استطاع كريستوف ان يجني من تأجير الاستديو مبلغ 1200 يورو في الشهر، وان يقيم علاقات  تواصل اجتماعي وتعارف مع اشخاص من جنسيات مختلفة. واعلن عن كامل رضاه عن مسلكه ونهجه المتوافق مع الاشكال الجديدة للتعاون التشاركي.
 
 هذه التطبيقات الجديدة تتوافق مع ما بشّر به الاقتصادي الاميركي جيريمي ريفكن من ان ظاهرة الانترنت التي اجتاحت العالم سوف تحدث ثورة صناعية ثالثة ينتج عنها نموذج اقتصادي جديد في العلاقات الاجتماعية، يرتكز على التشارك والجماعات التعاونية. ورأى ان التغيير الجذري هذا سيطال النظام الرأسمالي ، وربما  ادى الى انهياره امام النظام التعاوني والتضامني الجديد.
وعلى عكس الدعوة الى محاربة ظاهرة الاستهلاك المفرط في المجتمع الاستهلاكي، تنمو وتنتشر فكرة التضامن لانها تسمح بممواصلة الاستهلاك، وربما زيادته بشكل افضل ولكن بكلفة اقل.
اما الفيلسوف الفرنسي، ميشال سرّ (serres) فيصف النهج التعاوني بأنه المنقذ من الازمات،  بل الطريق الى عالم جديد مختلف.
وجاء في عدد خاص عن ظاهرة التعاون والتضامن التشاركي، اصدرته مجلة "تايمز" : "ان الاقتصاد التعاوني هو واحد من الافكار العشرة القادرة على انقاذ العالم، باعتبار ان هذه الرغبة في التعاون والمشاركة هي التعبير الصادق عن المتغيرات العميقة في مجتمعنا."
المجتمع، يقول الباحث الفرنسي (Antonin Léonard) ، تخطى السياسيين، وواصل التحول ، الرأي العام اليوم هو الذي يحرّك العالم، لانه اكثر حداثة من المؤسسات الكلاسيكية.
التشارك، يقول البروفسور في معهد العلوم السياسية في جامعة السوربون (Loïc Blondiaux)، يتطلب اجراءات ديموقراطية جديدة، فالفرنسيون يتحدون اليوم المؤسسات التمثيلية التقليدية، ويعتبرونها عاجزة عن القيام بعمل مجد. فبعد ان كانت تشكل العناصر الفاعلة البنّاءة في الديموقراطية، اصبحت الاحزاب السياسية  في حالة يرثى لها، والقرارات الهامة باتت وقفاً على اقلية تنطق بإسم الجميع بين كل انتخابين. هذا الامر كان مقبولاً عندما كان حوالي 80% من المواطنين يشاركون في الانتخاب، فيما الوضع مختلف تماماً اليوم، وبات يتطلب وسائل جديدة للتعبير عن الرأي ، وتحديد ما يريده الناس . ولذا اصبح من الضروري منح المواطنين صلاحيات تقريرية من خلال تشكيل لجان تحكيم شعبية، جمعيات للمواطنة، اعتماد موازنات تعاونية لادارات تعاونية في مجالات الطاقة واستخداماتها،  قادرة على اتخاذ قرارات تلقى قبولاً اكثر من المواطنين. انا، يضيف البروفسور ، اثق كثيراً بقدرات التنظيم الذاتي للمجتمع.
 
 وهذه الان بعض الارقام ذات الدلالة البالغة:
48% من الفرنسيين يمارسون الاستهلاك التعاوني بشكل او بآخر.
77% من الفرنسيين يتبنون تطبيقاً تعاونياً على شكل تأجير او شراء مباشر بين الافراد.
17% يعتمدون الاستخدام التشاركي للسيارات الخاصة.
في العام 2013 جمع الفرنسيون مبلغ 70 مليون يورو للتمويل التشاركي، فيما وصل الرقم على مستوى العالم الى 3 مليار دولار. وترى مجلة "فوربس" ان هذا الرقم مرشّح للارتفاع الى 100 مليار دولار في حلول العام 2020.
اما في لبنان، فبالعودة الى التراث الفكري للمعلم كمال جنبلاط، نجد انه كان سبّاقا"ً في رؤيته المستقبلية للعلاقات في المجتمع، حيث قال: "ان التعاون والتضامن هما المفهومان الجديدان اللذان يستلزم المستوى الاجتماعي عن قيامهما وسيطرتهما تلقائياً من التعاونيات الانتاجية والاستهلاكية التي تؤدي الى انتظام الجماعة وفقاً لهيكلها الطبيعي، اي باحترام التكتّلات العفوية للناس حول مصلحتهم او نشاطهم. هذا الاعتماد لمبدأ التعاون في مفهومه الانساني البنّاء والنازع بطبيعته الى العمل المباشر، والانصهار الاختياري في الجماعة هو بذرة الثورة الاجتماعية الحقيقية."
(مأخودة من محاضرتين له في 17 و 24 نيسان سنة 1950)