العدد 27 - مقال سياسي: " فنّ الحوار"
مقال سياسي: " فنّ الحوار"
عن الكاتب
 
العدد الحالي
العدد 27 - مقال سياسي: " فنّ الحوار"
 يسرني أن أشارك في هذا المؤتمر حول " فنّ الحوار"، لارتباط هذا الفن بمعنى لبنان، بما هو بتكوينه، مؤسّسة قائمة بذاتها للحوار.
وإنني أشكر أصحاب الدعوة مؤسّسة فريدريش إيبرت،والمركز المدني للمبادرة الوطنية، لمبادرتهما إلى عقد هذا المؤتمر.
السيدات والسادة،
إنّ ابسـط معـنىً، لازمَ ويلازمُ اسـمَ بلادنـا، في وعينا التاريخيّ، هو معنـى الحريّة،
إنّ أبسـط معـنىً، يلازمُ تجربةَ الحـربِ والانقسام، في وعينا الحاضر، هـو افتقادُ تلك الحريـة،
حريّـةِ الفكر،
حريّـةِ القول،
حريّـةِ العمل،
حريّـةِ الانتقال،
حريّـةِ الوطن.
لقد جرَّبَ بعضُ اللبنانيّين توفيرَ هذه الحريّة، أو جربّوا الاحتفاظَ بها، بمعزلٍ عن بقيّة اللبنانيّين،بل ضدَّ بقيّةِ اللبنانيّين،
فما وجدوا ولا أوجدوا إلاّ،
سجوناً متقابلة،
وعائلاتٍ مشرّدة،
وجماعاتٍ خائفة،
وأرضاً محتلة.
 
 لقد جرَّبَ بعضُ اللبنانيّين،بمعزلٍ عـن بقيّـةِ اللبنانيّين، بل ضـدَّ بقيّةِ اللبنانيّين، توفيرَ العيشِ الكريم،
هذا العيشِ الملازمِ لاسمِ بلادنا، سواءً في الشدّة أو في الرّخاء،
فما وفّروا إلاّ فقراً يقارنُ بفقر،
وموتاً يقارنُ بموت،
وعيشاً يقالُ فيهِ، إلاّ عيشٌ كريم.
لقـد جـرَّبَ بعضُ اللبنانيّين، ضـدَّ بقيـّةِ اللبنانيّين، التخلّصَ من سلطةِ دولةٍ، والعيشَ خارجَها، أو الاحتفاظِ بمكاسبِ دولةٍ، والتشبّثَ بمراكزها،
فما خلصوا، إلاّ إلى العيش في عراء القهر،
وما حفظوا، إلاّ أعباءَ العزلةِ وأخطارَ العداء.
وإنّني في هذه المناسبةِ، لأتوجَّهَ معكم إلى جميع اللبنانيّين، لعلّنا نرى ما ينفعُ بلادَنا، ويعيدُ حريتَنا،ويحرّرُ أرضَنا، ونجعلُ عيشَنا كريماً،ونكونُ في مصاف الدّولِ والشعوب،
نأخذُ ونعطي، نشاركَ في مصير العالم.
ما من واحـدٍ منّا يتوهّمُ أنّ الخلاف زائلٌ تماماً،في حـالٍ من الأحوال، في مجتمعٍ أو دولـة،
ولا أنّ التنوّعَ ضررٌ مؤكّدٌ لاحقٌ بالمجتمع، فيكونَ على الدولةِ أنْ تجعلَ من النّاسِ، جماعاتٍ وأفراداً، مثالاً واحداً، وبالتالي شيئاً واحداً مفارقاً للحياة،
إنّما الأمرُ متعلقٌ ببقاءِ شعب،بوجودِ وطن،
إنّما الأمرُ متعلقٌ بفقدانِ حريّـةِ الجميع، وأرضِ الجميع.
فهنا، لا محلَّ للخلاف أو يغرقَ الجميع،
ولا محـلَّ لمطلبٍ أو ضمانـةٍ مع غياب من يلبّي المطلب، ومن يقدّم الضّمانة،
فهنا، لا محلّ للخلاف، ولا بديل من الدّولــة.
ربّمـا كـانت هـذه العبارة البسيطـة عنوانَ تجارب اللبنانيّين، وخلاصـة دروسهم المشتركة،
لا بديل من الدّولة، بما يعني ذلك من أمنٍ وسلامٍ وعيشٍ حرٍّ كريم، وتكافل وتضامن.
ولكنْ، لا بديـل من اللبنانيّين لإقامـة هـذه الدّولـة،
فليست الدولـة شيئـاً يأتي من خارج،
وفي وقتٍ من الأوقات، هـو هـذا الوقت، يكـونُ وجـودُ الدّولـة ومستقبلُها ونوعُ علاقتِها بالمجتع، متعلقٌ بما تنالُه من مؤسساتِ هذا المجتمع،
وفي وقتٍ من الأوقات، هـو هـذا الوقت، موقفُ المجتمعِ من نفسِه يقرّرُ مصيرَ الدّولة.
وفي مجتمعنـا،مؤسساتٌ ثابتـةٌ، يتعلّقُ بوعيها وبموقفها وبحيويّتها، مصيرُ البلادِ ومستقبلُ الدّولة.
 
 إنّ أيّـةَ مساعدةٍ نتلقّاهـا لنْ تكونَ شيئاً مذكوراً مـا دام الانقسام.
إنّ أيّـةَ إرادةٍ دوليّةٍ أو إقليميّةٍ، لنْ تكونَ في مصلحتنـا مـا دُمنـا لا نريد.
إنّ أيّةَ مؤسّساتٍ شرعيّةٍ، لنْ تقوى على تأمين ما يُطلبُ منها، ما دمنـا لا نمدُّها بعنـاصرِ القوّة.
منذ الشهـور الأولى لنشوبِ المحنة اللبنانيّة، شهدنـا ظهورَ الحـوار، وانقطاع الحـوار، مرّاتٍ كثيرة،
وفي كـلِّ مرّةٍ، كان يظهرُ الحوارُ كـأنّهُ من ظـواهرِ الحـرب، لا من مقدِّماتِ السلام.
فمرّةً هـو في حقيقته، استراحةٌ قصيرةٌ رغبَ فيها المحاربون،
ومرّةً هـو في حقيقته، استجابـةٌ غيرُ حقيقيّةٍ لرغبةِ النّاس،
وفي أيِّ مـرّةٍ هـو في حقيقته، جـزءٌ مـن الحـرب، محمولٌ بتيّارِ الحرب، شيءٌ عابرٌ أمام حـوارِ الحرب، أمام حـوارِ السلاح.
إلاّ أنّ كلّ لبنانيٍّ مخلصٍ، راغبٌ في الحوارِ، راغبٌ عن الحرب.
وفي أيِّ حال، لم تكنْ أوهامَ الحسمِ العسكريّ، الذي جُرِّبَ مرّاتٍ ومرّات، وأدَّى إلى ما أدَّى إليهِ من موتٍ وخراب، لتقارنَ بخيباتِ الحوار.
إلاّ أنّ للحـوارِ، لكـي يكـونَ سببَ وفاقٍ وسبيلَ سـلامٍ، شروطاً،أهمُّها أنْ يحملَهُ ويَحمِلَ عليه، تيـارُ سـلامٍ فاعلٍ حقاً، بفعل مؤسّساتِ المجتمعِ الثابتةِ، وهذا ما لم يكنْ من قبل، رغـمَ وجـودِ القناعةِ وتوافرِ الرغبة.
وثاني هـذه الشـروط، هـو وضـوحُ مسلّمـاتِ الحـوارِ، فتثمرَ الثمـارَ المطلوبة، ويكونَ منها مقاييسُ يُحْتَكمُ إليها إذا ما ثار الخلاف،
وهذا مـا لم يكـنْ من قبـل، رغمَ أنّ في تجربةِ اللبنانيّين من الوقائعِ والدروسِ الثابتة، مـا يصلُحُ لأنْ يكونَ مسلّماتٍ وافيةً بالغرض.
لا يجهـلُ أحـدٌ منّـا حجـمَ القوى المشاركةِ في الصراع على أرضنا، وعددَ هـذه القوى، وتأثيرَها في استمـرارِ الحربِ، وتفتيتِ الشعبِ، وانهيارِ الدولة.
ولكنْ علينـا أنْ نعيَ أنّ لبنـان بلدٌ عظيمٌ، يستحقُّ هـذا الصراعَ من أجله،
ولكنْ علينا أنْ نعيَ دروسَ هـذا الصراعِ الكبير، وهذه المحنـةِ القـاسيـة، فنميّزَ بين مـا هـو عـابرٌ وما هو ثابت،
بين مـن هـو في نسيجِ تكوينِنا ومـن هـو دخيـلٌ علينا،
بيـن مـن هـو صديقٌ ومـن هـو عـدوّ،
بيـن مـا يجبُ أنْ يبقـى ومـا يجبُ أن يتبدّل.
 
 بل إنّ هذه المسلّمـة، مقياسُ التمسّكِ بلبنـان وَوَحْدَةِ لبنـان أرضا وشعبا، ودورِ لبنـان.
المسلّمة الثانية، هي أيضاً حقيقةٌ ماثلةٌ في ضمير اللبنانيّين، وقولٌ يَنْطِقُونَ به أمامَ حوادثِ الأيام، فلا بديلَ من الدولة اللبنانيّة:
أمناً وسلاماً،
حرية ونظاماً،
عيشاً وكرامة،
وجوداً ومصيراً.

ولا أظنُّ أنّ لبنانيّـاً مخلصـاً يحتاجُ إلى من يقنعُه بجدوى هذه المسلّمة.
إلاّ أنّ استثمارَ هذه المسلّمةِ في كلامِ المتحاورين، لم يكنْ في الغالبِ إلاّ استثمارَ نزاعٍ وجدال.
إلاّ أنّ السعيَّ لتحقيقها في أعمـالِ الساعينَ، لم يكنْ، في أكثـر السعـيِّ، مؤدّياً إلى نقلها من عالمِ الاحتمال.
والحقيقةُ، أنَّ اللبنانيّينَ يريدونَ دولةً قادرة،
فإذا كانت قادرةً لبّتْ مطلباً،
وإذا كانت قادرةً قدّمتْ ضمانةً،
وإذا كانت قادرةً حازتْ ولاءً.
أمّا بناءُ هيكلها على المطالبِ المتناقضة،
أمّـا أنْ تكونَ ركائـزُها الضمانـاتِ والشروطَ المتضاربة،
فمؤدّاهُ أنْ تكونَ الدولةُ أنقاضاً،
تحتَها كلُّ مطلبْ،
تحتَها أيُّ ضمانةْ،
تحتَها جميعُ اللبنانيين.
إلاّ أنّ الدولةَ القادرةَ ليستْ دولةً مطلقة، فلا يمكنُ لشكلها أنْ يكونَ مغايراً لمضمونِ المجتمع، معاكساً لوُجهةِ قواهُ الحيّة.
إنّ دولةً لا تحقّقُ الانسجامَ بين السياسةِ والدّين، على مستوى الغايات،أو لا تعترفُ بوجودِ الجماعاتِ ولا تحفظُ حقوقَ الأفراد، على مستوى التمثيلِ والمؤسسات، أو تجعلُ الوطنَ معادلاً لجماعةٍ دونَ غيرِها من الجماعات،
باسم عَلمانيّةٍ تامّة،
أو دينٍ شامل،
أو واقعيّةٍ طائفيّة،
إنّـما هي دولةٌ مستبدّةٌ إذا قامت،
ودولةٌ مطلقةٌ لنْ تقوم.
 
 إنّ مصدرَ قدرةِ الدولة، بل إمكانِ وجودِها، متعلقٌ، بمدى انسجامها مع حقيقة وجودِ اللبنانيّين وحقيقةِ انتماءاتهم، وبمقدارِ استجابتها لإرادتهم في الانفتاحِ والمشاركة، في عالم اليوم.
وما صفةُ المدنيّةِ التي أُحبُّ أنْ أصفَ بها هذه الدّولة، إلاّ علامةُ ذلك الانسجام، وإشارةُ تلك الاستجابة.
فالدولة مدنيّة،للطوائف حق الوجود،وعلى الطوائف الاعتراف بسموّ الدولة،وبحقوق الأفراد.
وما طريقنا إلى هذه الدولة، إلا طريق العدل والاعتدال.
ليست الدولة اللبنانيّة دولة مطلقة في الداخل، ولا ينبغي أنْ تكون، كما أنّـها ليست دولةً مطلقةً في الخارج ، ولا يمكن أنْ تكون.
فحقيقةُ لبنان ودورِهِ، أنْ يكون حاضراً في العالم، وبالتّحديد، عبر انتمائه العربيّ، وعبر هويّتِهِ العربيّة.
نعمْ ، إنّ هذه الهويّةَ تقرّرُ ثمناً، دفعه اللبنانيون،
إلاّ أنّـها وفّرَتْ وتوفّرُ، أساساً للمساواة، أساساً للعيش المشترك، أساساً لوجود الدّولةِ السيدة المستقلّة.
وتلك مسلّمةٌ ثالثةٌ ينطقُ بها وعيُ اللبنانيّين، وتاريخُ اللبنانيّين، ومصلحةُ اللبنانيّين.
إلاّ أنّ الأمرَ متعلقٌ، بواقعيّةٍ لا تتنافى والأمل، بحسن تقديرٍ لا يؤدّي إلى ضياع الأوطان، بمبادرةِ قوى المجتمعِ ومؤسّساتِهِ الحيّة.
وواجبُنـا أن نتّجه نحو كلِّ نقابةٍ أو اتحادٍ أو جمعيةٍ أو رابطة، تمثّلُ حياةَ اللبنانيّينَ في علمهم وعملهم،
عاملينَ من أجلِ تشكيلِ تيّارِ فاعلٍ حقاً، بفعل مؤسّساتِ المجتمعِ الثابتةِ الحيّة، لجعل الحوار هادفا لإظهار الحقيقة.
أمّـا مسلّماتُ الحوارِ فلنْ تكونَ إلاّ واضحة.
أمّـا ثمارُ الحـوارِ فلنْ تكونَ إلاّ دانية.
(كلمة ألقاها الرئيس حسين الحسيني في مؤتمر فريدريش ايبرت)