العدد 26 - مقال اقتصادي: لبنان يقتات من لحمه الحيّ
مقال اقتصادي: لبنان يقتات من لحمه الحيّ
 سوف يسجّل التاريخ أن التردّي الخطير الذي وصلت إليه أوضاع لبنان الاقتصادية، لاسيما أحواله المالية والنقدية، لم يحرّك ساكنا لدى الطبقة السياسية، الممسكة بمفاتيح الحلول والأزمات في البلاد.
إن بلوغ المخاطر الاقتصادية والاجتماعية حدّا غير مسبوق، حتى في سنوات الحرب الأهلية، لم يشكل حافزا للقوى السياسية الرئيسية لكي تتّحد وتتعاون لتحقيق الحدّ الأدنى من واجباتها في مواجهة الأزمة. المطلوب من هذه القوى إشاعة أجواء تساعد على الاستقرار وسحب العراقيل التي وضعتها عمدا أمام المؤسّسات، دون أن تتراجع عن محاور الاشتباك السياسي، التي يمكن أن تستمرّ.
نضوب موارد لبنان بالعملات الأجنبية هو مثال واحد، وغير وحيد، على دور الممارسة السياسة في خلق المشاكل الاقتصادية وتفاقمها، من جهة، وعلى قدرة السياسيين، من جهة أخرى، على معالجتها عبر سلوك سياسي مغاير وسليم.

انخفض حجم الصادرات اللبنانية في السنوات الأخيرة بنسبة 45%، بسبب الأوضاع القائمة في البلدان العربية المجاورة وصعوبة نقل البضائع اللبنانية إلى مقاصد التصدير، فازداد عجز الميزان التجاري بالتزامن مع تراجع السياحة وضمور عدد السوّاح. في الوقت نفسه، هبط حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة FDI إلى النصف تقريبا وتراجعت تحويلات اللبنانيين غير المقيمين بنسبة 10% لتصل إلى أقلّ من سبعة مليارات دولار. لقد تألّبت كل هذه العناصر مجتمعة لتحدث عجزا فادحا في ميزان المدفوعات، تجاوز 3 مليارات دولار أميركي، وكان قد حقق فائضا قبل ثماني سنوات بلغ 8 مليارات دولار.
أشرنا إلى هذه المسألة بالذات ليس لكونها مجرد مثال على المنحى الانحداري لأركان الاقتصاد اللبناني، بل لأنها مؤشر على خطورة الأوضاع الاقتصادية. فتدفق العملات الأجنبية ليست ترفا بالنسبة إلى لبنان، بل هو حاجة ماسّة وضمانة لمنع انهيار الوضع النقدي ومالية الدولة، ونظام لبنان المالي بشكل عام.
 إن بلوغ المخاطر الاقتصادية والاجتماعية حدّا غير مسبوق، حتى في سنوات الحرب الأهلية، لم يشكل حافزا للقوى السياسية الرئيسية لكي تتّحد وتتعاون لتحقيق الحدّ الأدنى من واجباتها في مواجهة الأزمة

انخفض حجم الصادرات اللبنانية في السنوات الأخيرة بنسبة 45%، بسبب الأوضاع القائمة في البلدان العربية المجاورة وصعوبة نقل البضائع اللبنانية إلى مقاصد التصدير

تدفق العملات الأجنبية ليست ترفا بالنسبة إلى لبنان، بل هو حاجة ماسّة وضمانة لمنع انهيار الوضع النقدي ومالية الدولة، ونظام لبنان المالي بشكل عام

مصرف لبنان "يبتدع" التدابير تحت ضغط الضرورة. ولكن على الذين يضعون العراقيل في وجه ملء الفراغ الدستوري ويعطلون المؤسّسات، أن يعلموا أن إمكانية تأجيل الانفجار الاقتصادي أصبحت محدودة جدا، بالإمكانيات وبالمدى الزمني. فقد أصبحنا، فعلا لا قولا، على شفير الهاوية
 إن لبنان هو من أكثر بلدان العالم حاجة إلى استقطاب العملات الأجنبية، التي ترده خصوصا من التصدير والسياحة وتحويلات غير المقيمين والاستثمارات الخارجية. فنحن بحاجة إلى ردم الهوة الكبيرة المزمنة بين الاستيراد والتصدير، وتأمين مشتريات الدولة من الخارج. وفي العقود الأخيرة برزت حاجة إضافية للعملات الأجنبية بعدما أخذت الدولة تستدين أكثر فأكثر بغير العملة اللبنانية، بحيث تجاوز حجم الدين بالعملات الدين بالليرة اللبنانية. وباتت الدولة مطالبة كل عام بتسديد مستحقات هائلة بالدولار واليورو، على وجه الخصوص.
ويتولى القطاع المصرفي إعادة تمويل ديون الدولة المستحقة بهذه العملات، إضافة إلى تمويل العجز المستجدّ كل عام. فإذا تباطأ نموّ ودائع المصارف بالعملات ستواجه الدولة خطر العجز عن تسديد التزاماتها، مع ما يحمله ذلك من آثار مدمّرة. ولم تصل الدولة إلى مشارف هذا الخطر، حتى الآن، بسبب استمرار نموّ ودائع المصارف بالعملات الأجنبية، مع أن هذا النموّ بدأ يسجّل تراجعا بسبب عدم الاستقرار السياسي، والأوضاع الاقتصادية في البلدان التي يعمل فيها اللبنانيون، التي تأثرت بتعثر الاقتصاد العالمي وتراجع أسعار النفط.
ولا يخفى أن مصرف لبنان يدّخر احتياطات كبيرة، وتاريخية، بالعملات الأجنبية، كوّنها من إيداعات المصارف لديه. وهو يستعمل هذه الاحتياطات للتدخل في سوق القطع، عند الضرورة، دفاعا عن الاستقرار النقدي، أساس الاستقرار الاجتماعي.

خوفا من استنفاذ هذا الاحتياطي، في ظل الفراغ السياسي الراهن والتدهور السياسي المتمادي، اضطر مصرف لبنان إلى استنباط "هندسة مالية" أدّت إلى زيادة احتياطاته بما يزيد عن 7 مليارات دولار.
ولكن هذه الهندسة المالية، التي اضطر مصرف لبنان إلى اعتمادها، لم تكن يدون أثمان نقدية واقتصادية كبيرة، تحمّلها ويتحمّلها المجتمع اللبناني. إنها من نوع لحس المبرد والتغذي من اللحم الحي.
لقد أدّت إلى خلق كتلة نقدية كبيرة بالليرة اللبنانية لا يمكن إغفال نتائجها التضخّمية مهما جرى التخفيف من وطأتها. كما أدّت إلى زيادة التزامات مصرف لبنان للمصارف، التي بلغت قبل ذلك حدودا غير مألوفة، كما جففت السيولة بالدولار مما أضعف قدرة المصارف على التسليف، فيما الاقتصاد متعطش إلى التمويل للخروج من حالة الركود الحادّ الراهنة.
مصرف لبنان "يبتدع" التدابير تحت ضغط الضرورة. ولكن على الذين يضعون العراقيل في وجه ملء الفراغ الدستوري ويعطلون المؤسّسات، أن يعلموا أن إمكانية تأجيل الانفجار الاقتصادي أصبحت محدودة جدا، بالإمكانيات وبالمدى الزمني. فقد أصبحنا، فعلا لا قولا، على شفير الهاوية.