العدد 25 - دراسة: على خطى الصوفية في العشق الالهي
دراسة: على خطى الصوفية في العشق الالهي
1 2 3 4 5 
 - في رحاب الصوفيّة
عندما سطع نجم الصوفيّة في سماء استشراف الحقّ، تناثرت أنواره أجزاء لتتوزَّع على المدارك الروحيّة كافّة! وإن كانت الصوفيّة قد ارتبطت بشكل وثيق بالدين الإسلاميّ الحنيف، إلَّا أنَّنا وباستذكارٍ لتعريفاتها المتعدّدة والكثيرة لا يمكننا أن نختصرها بزمن أو بعصر؛ فهي ماثلة منذ بدء الخلق، منذ أن وُجد الإنسان للعلم والعمل به، في رحلة بحث عن الحقيقة (الذات /Atman)؛ (لأنَّ المطلق موجود في كلّ شيء مخلوق، بل إنَه هو كلّ شيء موجود ) لا تتوقّف، وتتمّ خلالها لتلك الصفوة المميّزة "تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الحقيقيّة"، (زكريّا الأنصاريّ)، فهي بحقّ "ملح الأرض"!
وقد شرح المعلِّم كمال جنبلاط هذا المفهوم في كتابه "بين جوهر الإبداع ووحدة التحقّق" (ص. 219)، فيقول: "فعلى مشارف هذه المواجهة، ومن رفعة استطلاعها وعلوّ كشفها، يتيسَّر لنا أن ندرك، وأن نتتبّع ديمومة العرفان واستمراره الباطنيّ الظاهر في خلال جميع المعتقدات والأديان، ومنذ وُلد الإنسان على وجه الأرض توفّرت له المشاهدة العيانيّة، بعين البصيرة، لما لا تدركه الأبصار، ولكنّه "الذي يدرك الإبصار في الأبصار"..." ، فيتوزّع صدى صوته ارتدادًا عبر الزمن ناقلًا إيَّانا إلى عصر زينون- مؤسَّس مذهب الرواقيّة (Stoicism) حيث ظهرت مقولة: "الإنسان عالم أصغر ممثِّل للعالم الكونيّ الأعظم" لنعود ونرتقي بها على لسان عليّ بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه:
"دواؤكَ منكَ وما تشعرُ وداؤكَ فيــــــــكَ ومـــا تُبصـــــرُ
وتزعمُ أنَّك جُرْمٌ صغيٌر وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ"

وقال أبو الفتح البستي :
تنازع الناس في الصوفيِّ واختلفوا وظنّه البعض مشتقًّا من الصوفِ
ولستُ أمنحُ هذا الاسمَ غيــــــرَ فتًى صفا فصوفيَ حتَّى سُمّي الصوفيِّ
ولنشرح قليلًا ارتباط الصوفيّة بالصوف، فقد شُبِّه الصوفيّ به لأنَّه مع الله كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى بالرضا والتسليم. كما أنّ المتصوّفة كانوا يرتدون أدثرة من الصوف متواضعة تحقيرًا للجسد ومحوًا وقهرًا للأحاسيس والحواس الظاهريّة، منشغلين بالروح فحسب، منخطفين أشدّ الانخطاف إلى الحقّ، وهو الغاية ونقطة البدء والنهاية.
ومن مميّزات الصوفيّ أيضًا انتسابه إلى شيخ مريد يرشده إلى الطريق، بالإضافة إلى لباس خاصّ (أحيانًا كان التميّز بالقلنسوة التي توضع على الرأس، من حيث شكلها ولونها)، واحتفالات ذات طقوس محدّدة، يكرّرون فيها أسماء الله "الذكر". وكان لا بدَّ لهم أن يجتمعوا في تكايا أو خانقانات، حيث كانوا يتدرّبون على السلوك تحت إشراف شيوخهم.
هذه المعرفة الحقيقيّة الطبيعيّة التي تتساقط عند كشفها حُجُب الاسم والشكل، وصفها جلال الدين الروميّ (مولانا) بالتالي: "تعال وتعرّف إلى أنَّ حسّك وفهمك وخيالك هي كالقصبة التي يمتطيها الأولاد؛ معرفة الإنسان الروحيّة ترفعه إلى علُ، ومعرفة الإنسان الحسيّة هي عبء عليه".
 كما أنّ المتصوّفة كانوا يرتدون أدثرة من الصوف متواضعة تحقيرًا للجسد ومحوًا وقهرًا للأحاسيس والحواس الظاهريّة، منشغلين بالروح فحسب، منخطفين أشدّ الانخطاف إلى الحقّ، وهو الغاية ونقطة البدء والنهاية

ومن مميّزات الصوفيّ أيضًا انتسابه إلى شيخ مريد يرشده إلى الطريق، بالإضافة إلى لباس خاصّ


وإنَما الإنسان يعشق مفهوم الجمال نفسه، وهو جمال الروح، والروح هي الواسطة ما بين الله والإنسان

ويبقى الحبّ لغة التوحيد: من شمس إلى كمال جنبلاط


ألم يقل كمال جنبلاط: "التيَّار الحيّ وحدة لا تتجزّأ؛ فكلّ كائن حيّ يصير إلى ما تبتغيه منه الحياة. فالحياة- بجميع سلالاتها وفروعها- أخوَّة جامعة ورابطة موحّدة وعطف شامل مشترك"؟
  الصوفيّة والحبّ
"كلُّ ما في العالم عبارة عن الحبّ، ومن لم يقع في الحبّ فإنَّه أشبه بطير فَقَدَ جناحيه" (الروميّ). ويقول الفيلسوف فيورباخ: "يهيِّئ الحبّ للإنسان أقوى أسباب الفرح والابتهاج، ولذلك يحمل الحبّ صفة الألوهيّة؛ إنَّ الله هو العاطفة الخالصة الأبديّة التي لا يمكن نفيها؛ لأنَّ هذا النفي يؤدّي إلى نفي الألوهيّة نفسها" (جنبلاط: 2005). فالحبّ هو روح التصوُّف، وهو شعاره ودثاره، والحال المشترك ما بين المتصوِّفة جميعًا. هو بداية البداية، كما أنَّه نهاية النهاية، وكأس المحبَّة لديهم تكمن فيها كلّ الأسرار والأنوار.
والحبّ لدى المتصوّفة لا يمكن تحديده أو تعريفه وشرح حقائقه، وإنَّما يحدّ باللفظ فقط، ويُعرف بالعرف والاصطلاح، أو كما يقول محيي الدين بن عربي: "من حدّ الحبّ ما عرفه! ومن لم يذقه شربًا ما عرفه! ومن قال رويت منه ما عرفه! فالحبّ شرب بلا ريّ". هو حنين متجدِّد، وشوق مستمرّ، وظمأ دائم لا حدَّ له لأنَّه متجدِّد مع الأنفاس! فالشوق لا نهاية له؛ لأنَّ أمر الحقّ لا نهاية له! ويقول الإمام الغزالي: "أن تبلغ الحالة تعرف ما هي. ولكلّ محبّ من هواه على قدر همّته، أو على قدر موهبته".

وكانت الصوفيّة قد تبنّت في نظرتها إلى مفهوم العشق والجمال مبادئ الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة، والتي تقول بأن لا فائدة تُرجى من عشق جميع حِسان الوجوه، فذاك مستحيل، وإنَما الإنسان يعشق مفهوم الجمال نفسه، وهو جمال الروح، والروح هي الواسطة ما بين الله والإنسان. وهكذا يبحث الإنسان في الواقع عن الجمال المطلق الذي هو الله، ويسعى أبدًا للاتّحاد به ليحقّق كمال ذاته.
هذا، لقد شكَّل الحبّ، أو العشق الإلهيّ عند المتصوّفة في تلك الأزمنة الغابرة الملاذ أو المهرب من الواقع المرّ الذي كان يحيط بهم. وقد ترجم لهذا الواقع الكاتب جان لويس إذ قال: "في تلك العصور، لم يعد الناس يتساءلون عن السُّبُل الكفيلة بإنشاء الدولة الفاضلة، بل راحوا يبحثون عن الوسائل التي تمكِّن الإنسان أن يكون كاملًا من طريق اتّحاده مع الله اتّحادًا صوفيًّا". (الملائكة، 2015: 194)
إنَّ الحبّ هو سبب إيجاد العالم؛ ففي الحديث القدسيّ: "كنت كنزًا مخفيًّا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق، وتعرفت إليهم، فبي عرفوني. فأخبر أنَّ الحبّ كان سبب خلق العالم، فالعالم بالحبّ خُلق وبالحبّ يعيش، وقد خُلقنا لنعبد الله" ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? (سورة الذاريات الآية:56)، وهذا هو سرّ الحياة.
فالعالم بأسره إنَّما يتنفّس بالحبّ ويعيش له وبه، والكون كلّه يتحرّك بحبّ موجده ومبدعه؛ فكان أهمّ أهداف الصوفيّة تنوير الطريق لمريديها كي يصلوا إلى أعلى مراتب المحبّة الخالصة الكاملة لله تعالى، فيصلوا إلى المحبّة الإلهيّة المطلقة، أو ما يُعرف بمرتبة الفناء في الحضرة الإلهيّة، أي إلى مرتبة التحقيق الذاتيّ لقوله تعالى: ?يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ? (سورة المائدة، الآية 54).
أنتَ بينَ الشغافِ والقلبِ تجري مثلَ جري الدموعِ من أجفاني
وتحـــلّ الضميــــر جــــوف فــؤادي كحلــــول الأرواح في الأبــــــدانِ
 
 إنَّ العلاقة التي تربط الإنسان بالله عند معتنقي الصوفيّة، وفي طليعتهم ابن عربي والسهروردي، وقبلهم أفلاطون ومعلّمه سقراط، وصولًا إلى جلال الدين الرومي وخدينه ومعلّمه شمس الدين التبريزيّ، إنَّما هي علاقة الحبّ المتبادل بين قطبين؛ الأوَّل، الإنسان، ذاك العاشق للحقيقة الجميلة الكاملة والتي يرمز لها الله؛ أي ذاك الإنسان الواعي المُدرِك لهذا الجمال ولهذا الكمال، والثاني، وهو المعشوق الكامن الأبديّ السرمديّ، الحقّ الذي لا شبهة فيه، والذي هو أيضًا مرآة الإنسان بحسب مذهب "وحدة الوجود"! فصلة الإنسان الكامل بالله تقوم على التكافؤ لا الاستعباد، وما دامت هذه الصلة هي صلة عشق ووجد، فليس في العشق خوف ولا انفصال، وإنَّما شوق ووجد، ثمَّ اندماج واتّحاد.
ويعبّر جلال الدين الرومي في كتابه "المثنويّ" عن هذا، فيقول: "ما مرآة الروح إلَّا وجه الحبيب. حين رأيتك قلت ها قد وجدت نفسي أخيرًا، ذلك أنِّي شهدت في عينيه درب النور. قال وهمي: إنَّ هذا هو خيالك فتنبّه! لكنَّ صورتي في عينيه هتفت قائلة: إنَّني أنت، وأنت أنا، يجمعنا اتّحاد".(الملائكة، 2015: 191)
ولقد قال بهذا المذهب الكثير من المتصوّفة، نذكر منهم: ذا النون المصري، الحلّاج، رابعة العدويّة، أبا يزيد البسطاميّ، الجنيد، السريّ السقطيّ... ولنأخذ مثالًا في هذا المنحنى أبيات الحلّاج الرائعة، إذ يقول:
- لـي حبيـبٌ أزور فـي الخلــــــــوات حاضـر غائـب عـن اللحظـــــات
- مـــــا ترانــــــي أصغـــي إليـه بسمـع كي أعي مـا يقـول مـن كلمـات
- كلمات من غير شكـل ولا نطـق ولا مثـــــــــــــــل نغـمـــــة الأصــــــــوات
- فكأنّــــــــي مخـــــــاطـب كـنــــت إيًّـــــاه علــــــى خــــــاطـري بذاتــــي لـذاتــي
- حاضــــــر غائـــــــب قريـــــب بعـيــــــد وهـــــــو لم تحـــوه رسـوم الصفـات
- هو أدلّ من الضمير إلـى الوهـم وأخفـــــى مـن لائــــح الخطــــــــــرات
 

- يومَ كان شمس...
"أنا البهلول... أنا العاشق
أنا الصافي... أنا الإبريز
اسمي في السما العاشق...
الناس تناديني...
شمس تبريز... (...)
أنا الفاني أو الباقي
أنا الحائر... أنا الطائر
ظننتُ أنِّي أبحث عنك
ظننتُ أنَّني الذاكر
أدورُ... أدور
أنا الهائم... أنا القائم
إلهي سيِّدي الدائم(...)
أمدُّ إليكَ يدي أغنِّي
أمدُّ إليكَ يدي أعنِّي
أدورُ... أدور
خذني إليكَ منِّي
إلى حيث تركتُ قلبي
تحت عرشكَ
ردَّني إلى قدس أقداسكَ
أنا أنا
أنا البهلول... أنا الدرويش
أنا الصوفيّ... أنا الإبريز
أنا العاشق...
أنا شمس تبريز...
 
 وُلد شمس الدين محمَّد بن ملك داد التبريزيّ في تبريز (في بلاد فارس) عام 1185م (582ه)- وتوفّي عام 1248م (645ه)، في خوي (في إيران)، حيث مدفنه. كان عارفًا ومتصوّفًا وشاعرًا صوفيًّا، أخذ التصوُّف عن ركن الدين السجاسيّ. اهتمّ بنداء الحقّ وهو لا يزال يافعًا (قيل في سنّ العاشرة)، وصارح أباه بذلك، لكنَّ هذا الأخير لم يعره اهتمامًا، فما كان من شمس إلَّا أن ترك المنزل وبدأ بالتجوال والارتحال، فقادته خطواته إلى مدن عدّة منها، حلب وبغداد وقونية (عاصمة السلاجقة، وتقع في بلاد الأناضول- تركيا) ودمشق، وقد قيل عنه بأنَّه لم ينم بمكان أكثر من ليلة واحدة، وكان يكسب النقود للطعام من تفسير الاحلام وقراءة الكفوف. كما اتّصف شمس بنبذه لكلّ مظاهر التعلُّق بالمادّة، أو بالحياة الفانية، فكان منصرفًا بكلّيته إلى عالم البقاء، حيث لا قانون سوى المحبّة، ولا تمييز إلَّا بالتقوى الحقيقيّة التي تستمدّ نورها من نور الحقّ، وهو من أنشد في عشقه وولهه الكثير من الأبيات الشعريّة التي تمخّضت عن تجربة مميّزة عاشها شمس، لا بل طلبها وتلذّذ بها، ولم يثنه إحساسه بالموت الذي أخذ يتربّص به عن متابعة مهامه في نشر المحبّة وإذكاء جذوة العشق الإلهيّ في نفوس المريدين؛ ومن بين هؤلاء كان "مولانا" جلال الدين الروميّ، الخطيب الفقيه، صاحب الأدب والفصاحة، والذي ساقه قدره المنسجم بأنوار الحقّ إليه بعد أن تتبع رؤاه التي أسرّت بوجوب نقله لمعرفته الصوفيّة إلى تلميذ خاصّ! فكان اللقاء في قونية (عام 1244 م.) الذي غيَّر مجرى حياتَي رجلين؛ الأوَّل، جلال الدين الروميّ الذي بات شاعرًا قدوة في العشق الإلهيّ، وهو الذي لم يكن يعرف قبل لقائه بشمس شيئًا عن الشعر (الغزل)، والثاني، هو شمس تبريز الذي كتب آخر فصول رحلته الصوفيّة المتقشّفة في رحاب قونية، وفي صحبة صديق حبيب رأى فيه من النور ما يكفي لأن تصحّ فيه مقولة: "أنا أنت، وأنتَ أنا" (جنبلاط: 1987)، فغادر الحياة بعد أن وضع في عهدة "مولانا" قواعد العشق الأربعين"، والتي نقلها إليه خلال خلوتهما التي استمرّت لأربعين يومًا، خرج إثرها الرجلان منتصرين للإنسان "المدرِك"، ولوجه الحبيب الأسمى؛ غير أنَّ هذه المحبة وهذه العلاقة لم ترق لجماعة من المناوئين لشمس الذي وصفوه بالمجنون، فقاموا بقتله سنة 645 ه، ودُفن لاحقًا في خوي حيث ضريحه اليوم، والذي تمَّ ترشيحه ليكون من مواقع التراث العالميّ المحفوظ من قِبَل اليونيسكو.
في شمس، كَتَبَ مولانا جلال الدين الروميّ ديوانًا فريدًا في العشق الإلهيّ هو "ديوان التبريزيّ" (الديوان الكبير)، والذي أهداه لذكرى صديقه. ولا يزال هذا الديوان يُعتدّ به كوثيقة دامغة عن روحانيّة شمس الأخَّاذة، وتماهيه في هذا الكون الفسيح كونه جزءًا من هذا الإبداع الذي تذوب فيه كلّ المخلوقات، تمامًا كما تذوب نقطة الماء في المحيط، فتكون منه وفيه.

قواعد العشق الأربعون: الشمس والروميّ

تمكّنت قواعد "شمس" الأربعون التي رسّخها بنقلها إلى مولانا جلال الدين الرومّي، من النجاة والحياة، وتابعت مسيرتها، والأجيال تجرّ الأجيال، لتصل إلى عصرنا الحالي، فتعانقت والحكمة الروحانيّة، وشكّلت امتدادًا طبيعيًّا للحقيقة الخالدة التي تعرّفت إليها الحضارات القديمة، وتردَّدت أصداء أقوال راما كريشنا وهيراقليطس وأفلاطون وسومار بن راجبال وشري أتمانندا، وغيرهم من المعلّمين العارفين في جملها وكلماتها، كونها نابعة من تلك الروح الفرديّة التي تقطن قلب الإنسان كقطعة من الحديد، وما الروح الكونيّة السامية سوى مغنطيس تتجمّع في رأسه!
لم تخرج قواعد العشق الأربعون عن الإيقاع الفريد الذي يجمع ما بين الأصوات ليتكوّن الصوت الواحد الذي يفهمه كلّ البشر، أو لنقل لم تخرج تلك القواعد عن نظام العقل الأرفع الذي هو الشاهد، أو الوعي الصافي. فلقد رأى شمس بأنَّ الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلَّا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا. وأوضح أنَّ الطريق إلى الحقيقة يمرّ من القلب لا من الرأس، "فاجعل قلبك، لا عقلك، دليلك الرئيسيّ. إنَّ معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله".
ويقول أيضًا في القاعدة العشرين: "لا تهتمّ إلى أين سيقودك الطريق بل ركِّز على الخطوة الأولى. فهي أصعب خطوة يجب أن تتحمّل مسؤوليَّاتها. وما أن تتّخذ تلك الخطوة دَع كلّ شيء يجري بشكل طبيعيّ وسيأتي ما تبقّى من تلقاء نفسه. لا تسر مع التيَّار، بل كن أنت التيَّار"!
 
 لقد نظر شمس إلى كلّ نواحي الحياة بمنظار الحبّ، وجعلها قانون حياة ومسيرة عشق إلهيّ لا تنتهي ولا تتوقّف. فالشعلة التي يضيئها المرء بنيران"الأفئدة العتيقة" محالٌ أن تنطفئ، بل هي أمانة الخلق والإبداع فينا، تتناقلها النفوس المشرقة التي نذرت نفسها للخير، لتعود فتطلقها شعاعًا عند كلّ مفترق طريق.
لم يترك شمس مثالًا إلّا وأرساه في قواعده، وكلّ أمثلته تقود إلى معرفة الحقّ، معرفة الله: " يمكنك أن تدرس الله من خلال كلّ شيء وكلّ شخص في هذا الكون، لأنّ وجود الله لا ينحصر في المسجد أو في الكنيسة" (القاعدة الثالثة). ولم يغفل الفكر وجداله والقلب، فقال فيهما: "يتكوَّن الفِكر والحبّ من مواد مختلفة. فالفكر يربط البشر في عُقَد، لكنَّ الحبَّ يذيب جميع العُقَد. إن الفِكر حذرٌ على الدوام، وهو يقول ناصحًا: "احذر الكثير من النشوة"، بينما الحبّ يقول: "لا تكترث! أقدم على هذه المجازفة". وفي حين أَّن الفكر لا يُمكن أن يتلاشى بسهولة، فإنَّ الحب يتهدَّم بسهولة ويصبح ركامًا من تلقاء نفسه. لكنَّ الكنوز تتوارى بين الأنقاض، والقلب الكسير يخبّئ كنوزًا". ويقول كذلك في الكلام والروح الخفيّ فيها: "(...) لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهريّ مُطلقًا، وعندما تلج دائرة الحبّ تكون اللغة التي نعرفها قد عفى عليها الزمن. فالشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات لا يمكن إدراكُه إلَّا بالصمت".
لقد فاض معين شمس التبريزيّ بدرره الهائلة لدن لقائه بـــ "مولانا" جلال الدين الروميّ، وهو الموعود بهذا اللقاء منذ أمد، إلى أن عثر عليه، عثور اليائس على الأمل: "نهاية الأمر، من الأفضل لك أن تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك. تذكَّر أنَّك لا تستطيع أن ترى نفسك حقًّا إلَّا في قلب شخصٍ آخر، وبوجود الله في داخلك"!
كان الروميّ فعلًا مرآة "شمس" ونظيره الروحيّ؛ "وما مرآة الروح إلَّا وجه صديق، حين رأيتك قلت لنفسي: لقد وجدتُ في عينيه شعلة الحقّ"! فقد استمدّ منه القوّة ليفضي بأسرار تقواه، وإيمانه العميق، وله أضاء شموع الحبّ والتضحية والأخوّة الجامعة الصادقة! كان منه وله، كالتفاحة التي لا تكتمل إلَّا باجتماع نصفيها! وكانا في عشقهما للإله الواحد روحًا واحدة لا تخرج عن درب الحقّ ولو كان الثمن التضحية بالحياة! وما الحياة سوى نفحة من مالكها الحقيقيّ، فله الشكر على الدوام: "مهما حدث في حياتك، ومهما بدت الأشياء مزعجة فلا تدخل ربوع اليأس. وحتّى لو ظلَّت جميع الأبواب موصدة، فإنّ الله سيفتح دربًا جديدًا لك. احمد ربَّك! من السهل عليك أن تحمد الله عندما يكون كلّ شيء على ما يرام. فالصوفيّ لا يحمد الله على ما منحه الله إيَّاه فحسب! بل يحمده أيضًا على كلّ ما حرمه منه".

استقرّت قواعد شمس على الأربعين منها، وهو رقم له دلالاته الروحيّة والفكريّة؛ وغدت مع الزمن أيقونة تتناقلها الأجيال التي تأهّبت لصيد الحقيقة في بحار التخبّط بالمفاهيم والعقائد والتنظيرات المختلفة. وعلى الرغم من اختلاف نراه هنا، ونصطدم به هناك، إلَّا أنَّ أحدًا من البشر لا ينكر ماهية الحبّ وبصمته في حياتنا! هذا الحبّ نفسه الذي نكرّر لفظه عشرات المرّات في يومنا القصير: "نحبّ هذا" و"لا نحب ذاك"، "أحببت هذا الكلام" و"أحببت هذا المشهد وتلك اللغة"... والأمثلة تطول، هو عينه الحبّ الذي كان سببًا في لقاء شمس بجلال الدين الروميّ، "الكبريت الذي يبعث النار في العود الغضّ"، وكذلك كان دافعًا لتفانيهما من أجل إثبات القول بأنَّ الحبّ هو ذخر الحياة وسببها: "لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تُريده، روحيّ أم ماديّ، إلهيّ أم دنيويّ، غربيّ أم شرقيّ. فالانقسامات لا تؤدّي إلّا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنَّه كما هو، نقيٌّ وبسيط: "العشق ماء الحياة والعشيق هو روح من النار"، يُصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء"! (القاعدة الأربعون).
هو تلاقي الأضداد في وحدة التنوّع إذًا، والعقل يطلب الوحدة... والتوحيد! "والحبّ ذاته- حبّ العاشق والمتصوّف والشاعر والفنَّان والقائد الاجتماعيّ والرائد السياسيّ- أليس هو طلب الوحدة والتوحّد مع الآخر، مع الآخرين؟" (جنبلاط: 2005: 196). فالشعور إذًا، لا تطيب له السعادة إلَّا إذا غمرته "غبطة واحدة، متّصلة، عميقة، دائمة، لا تتبدَّل ولا تتغيَّر". (جنبلاط: 2005: 196).
رقصة الدراويش الشهيرة، أو "السماع"، والتي طوّرها جلال الدين الروميّ إثر انصرافه بكلّيته إلى الصوفيّة والتعبّد الزاهد عن مبتكرها ذي النون المصريّ

- ويبقى الحبّ لغة التوحيد: من شمس إلى كمال جنبلاط
"لكلّ نبيّ ولكلّ وليّ سبيله الذي اتّخذه لنفسه كي يصل إلى الحقيقة! المسالك مهما اختلفت، توصلنا إلى غاية واحدة". (الرومي)
إنَّ المتابع لمسيرة العرفان والعلم الحقيقيّ، لا بدَّ أن يصل في تاريخنا الحديث إلى زمن مفكّر عارف، صقل نفسه وهذّبها بعلوم الأولياء، وبحث عن الحقيقة، فوجدها ماثلة في ذاته، وما الذات سوى الشاهد الذي يراقب ويرى و"ويعرف"! لقد كان كمال جنبلاط من ورثة المسلك التوحيديّ الذي استطلعنا بعضًا من دروبه في حياة المتصوّفة الكبار، ووجدنا الصلة تلامس الصلة ليبقى خيط الحقيقة موصولًا لا ينقطع!
ألم يقل كمال جنبلاط: "التيَّار الحيّ وحدة لا تتجزّأ؛ فكلّ كائن حيّ يصير إلى ما تبتغيه منه الحياة. فالحياة- بجميع سلالاتها وفروعها- أخوَّة جامعة ورابطة موحّدة وعطف شامل مشترك"؟ وألم يقل أيضًا: "إنَّ الحقيقة المستجلية هي ذاتها لا تتباين بمواصفاتها وجوهرها عند الحكماء والعارفين والمتحقّقين في جميع الأدوار والعصور والمذاهب والمسالك والأديان. (...) فسبحان العين الأوّليّة التي تبصر بها كلّ العيون"؟! (جنبلاط، 2015: 200)
لقد تلاقى كمال جنبلاط بشمس في أكثر من موقع، ولننظر إلى قول شمس حين التقى بأحد المتصوّفة وسأله عمَّا يفعل في المدينة، فأجابه الصوفيّ المذكور، وكان يُدعى أوحد الدين الكرمانيّ: أنا أراقب القمر في ماء الطشت. (والمقصود أنَّه كان يتأمَّل جمال الوجود بحثًا عن الجمال المطلق) فأجابه شمس: إن لم يكن في جوف رقبتك ورم، فلا تخفض رأسك، بل ارفعه إلى الأعلى كي ترى قمر السماء، أمَا الحسن، فالتمسه داخل نفسك"!
المعنى عينه نجده في قول للمعلّم كمال جنبلاط إذ يشرح مفهوم الوحي: "في الواقع، ليس هناك من ملهمين ولا من هو خارج عنَّا، هذا أمر يحصل في داخل الشخص وفي عمق ذاته، وليس ثمّة شفاعة لقدّيس أو لنبيّ".
لم يكن "العشق الإلهيّ بعيدًا إذًا عن كمال جنبلاط، وهو الذي تأثر بالصوفيّة في سنّ مبكر. إذ طالما الحقيقة موجودة، فلا بدّ من وجوب معرفتها. هي مسألة المعرفة بحدّ ذاتها؛ فالإنسان خُلق ليعرف!
كما تختبئ الألوهة في زهرةٍ
هكذا يقطن حبيبي في نفسي
وكما يسكن الرعد في الجبال
هكذا حبيبي هو في قلبي
كصياح الطير في الغابة الساكنة
هكذا ملأني صوت حبيبي!
جميل كالصبح
هنيء كالقمر
هو حبّي لحبيبي
حقًّا، إنَّني فتّشتُ عن حبيبي
فوجدته قائمًا في قلبي
إنَّ حبيبي ينظر بعينيّ
لأنَّنا أصبحنا الآن
حبيبي وأنا كائنًا واحدًا!

ولن ننسى جملته الرائعة في عشق وجه الحبيب، إذ يقول:
شـــــــربنا المدامـــــةَ حتَّى سكرنـــــــــــــا فلمَّـــــــــا سكرنـــــــــــا طلبنــــــــــا المزيــــــــــد
أحبّـــــــــك مـولاي حبًّـــــــــــــا يحطِّـــــــــــم قيــــــــــــــد الإلـــــــــــــه وقـيــــــــــــــد العبيـــــــــــد

لا شكَّ إذًا أن صدى الحقيقة الأوّليّة قد تردّدت في فكر كمال جنبلاط، وفي عشقه الإلهيّ المنسوج برؤى طافت في سماء المعرفة العليا، لتصبغ أقواله وأفعاله، نافية انقطاع الوصال، واهبةً نورها للإنسانيّة جمعاء، تمامًا كما فعل شمس الدين التبريزي! وكان للمعلِّم كمال جنبلاط أن دفع حياته هو أيضًا ثمنًا لثمرة المعرفة والحقيقة التي جعلها أمانة بيد من يحملها، شريطة أن يكون إنسانًا، يسير على درب تحقيقه "للإنسان الواعي/ المدرِك" الذي بحث عنه شمس مطوَّلًا، قبل أن يجده في جلال الدين. فما أشد التماثل! وقد دفع شمس حياته، كما قلنا، ثمنًا لزاده الصوفيّ المتميِّز، وصونًا لـــ "قواعده" التي عاشت وارتقت وبلغت "الكمال"، متحدّية أصنام التفرقة والتمييز والعنصريّة، نابذةً كلّ أشكال التطرّف والأنانية والتكفير بالآخر؛ فكيف نقول بالأنا، والأنا أنت، والأنت أنا؟! فـــــــ "كلّنا عيال الله"، وكلّنا في محبّته واحد!
وفي الختام، حبّذا لو نعود إلى قراءة مفاهيم الحبّ والسلام التي انطبعت في اختبار الأوّلين، فنقف على معانيها وجماليَّاتها، آخذين منها العِبَر والدرس المفيد، فلعلّنا حينها ندرك رسالة "مولانا" جلال الدين الإنسانيّة، إذ يقول:
"لا فرق أن تتكلَّم اليونانيّة، أو العربيّة، أو التركيّة، أو غيرها، المهمّ أن يجمعك بمحبّيك لغة القلب، وليس للقلب شأن باللسان، وحين تلتمس رفيق الطريق، فإيَّاك أن تنظر إلى لونه، أو لسانه، بل ابحث عن نواياه وهمّته، وما دام الطريق واحدًا، فلا تلتفت إلى لون الحبيب؛ فليكن أسود، أو أبيض، أو أسمر، ذلك أنَّ الله هو مذهب العشَّاق، وهو جنسهم الأوحد"!