العدد 24 - فرادة نهضوية وسياسية افتقدناها مبكراً
فرادة نهضوية وسياسية افتقدناها مبكراً
عن الكاتب
أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية والجامعة اليسوعية
محاضر في كلية الأركان في الجيش اللبناني
يمارس المحاماة
مقالات أخرى للكاتب
إيجاد منظمة بديلة
العدد الحالي
العدد 24 - فرادة نهضوية وسياسية افتقدناها مبكراً
 في ذكرى رحيله المتجددة، في ذلك اليوم المشؤوم من شهر آذار عام 1977. هوت هامة فكرية ونضالية كبيرة شكّلت بتاريخها التغييري المقاوم لكل أشكال الإقطاع والاستغلال، حقبة زمنية ومسيرة كـفاحية طبعت تلك المرحلة بطابعها المتألّق صموداً وإرادة من أجل تـظهير كرامة الشعب اللبناني والإنسان العربي والبشرية.
في الواقع، شكَّل حضور المعلم الشهيد كمال جنبلاط مَعْلَماً كبيراً للثقافة والتحرُّر وامتداداً سياسياً ونضالياً على مستوى الوطن العربي، حيث طبع بأفكاره الرؤيوية مستقبل أجيال عديدة من أبناء هذا البلد نحو مسار الإصلاح والتغيير والعمل الديمقراطي البعيد كل البعد عن تركيبة الموروث الطائفي. عملياً، كانت مسيرته متضمّنة لأبعاد ثلاث شملها تحركه السياسي والشعبي الوطني.
البُعد الأول، هو رغبته الجامحة منذ يفاعته بالدفاع عن حقوق الفقراء والمهمّشين والتعبير عن تطلعات هذه الشريحة الاجتماعية الواسعة الانتشار على المستوى اللبناني.
كان المُعلِّم حاسماً في مواقفه الأساسية فلم يهادن أحداً من أجل تحقيقها، لكنه، بالمقابل، تحلّى بالمرونة واعتنق سبيل الحوار إذا ما وجد أن هذا الأمر ممكناً ويسهل مسارات الوصول الى نتائج تطويرية مبتغاة. على هذا الأساس كان المُعلِّم، براغماتياً عملياً، واقتحامياً طليعياً في آن.
لقد سعى منذ يفاعته ولدى مباشرته العمل السياسي الى ضرورة تحديد أفكاره وبلورتها فاعتقد أن الديمقراطية يجب أن ترتبط أساساً بالهمّ الإنساني ومكانة الفرد وحرّيته.
وقد عبّر عن هذا الأمر من خلال محاضرة كان ألقاها في العام 1950 حول ما يتعدّى الماركسية. لذلك يعتبر المعلم في هذا المجال سبّاقاً في رؤيويّته للفكر السياسي.
 
 من هنا انطلق تفكيره ومسعاه لتشكيل حزب سياسي تغييري تقدمي بشعارات وضع في مقدمها مسألة إقامة نظام اجتماعي إشتراكي يكون أساساً للتغيير الفعلي في هيكلية النظام اللبناني ومحتواه الإجتماعي والسياسي.
لقد أسس الشهيد المعلم الحزب التقدمي الإشتراكي، غداة سنوات قليلة تلت استقلال لبنان، أي في العام 1949، وكان حريصاً عند التأسيس أن يضم الى صفوف مكتبه التأسيسي لبنانيين من كافة الطوائف والمذاهب، وقد انتشر الحزب بسرعة ومعه صفوف كافة فئات الشعب وطوائفه، واصبح محط أنظار دول المنطقة العربية وكُتلها وأحزابها السياسية، وسارع الى الاتصال برئيسه لإقامة العلاقات معه قادة وسياسيين لأحزاب وتجمعات من مختلف الديار العربية في الحزب التقدمي الإشتراكي بقيادة المعلم كمال جنبلاط دوراً ريادياً كبيراً في عملية تطوير أسس لبنان، حيث ناهض بشدة العصبية الطائفية والتسلط الاجتماعي القائم على مرتكزات عائلية وتطلعات إنعزالية، مما منحه بُعداً عربياً ودولياً، حيث انخرط في نضال مشترك مع العديد من حركات التحرر العربية والعالمية، ما أهّله للعب دور سياسي تجاوز حدود لبنان. كان المعلم الشهيد كمال جنبلاط مؤمناً بالحق الفلسطيني وضرورة منح هذا الشعب كرامته التي استلبت في حقبات سوداء من تاريخ وتطور لبنان والمنطقة العربية. لقد التزم المعلّم أيضاً بنضال هذا الشعب ومقاومته التي اعتبرها مَعْلَماً أساسياً من معالم النهوض العربي وحركة التحرر العربية.
البُعد الثاني تجلّى في عملية بث أفكار جديدة لدى الشباب من أجل بناء لبنان ديمقراطي عربي تقدمي. لهذا سعى من خلال وجوده في المعارضة والحكم الى ترجمة هذه الأفكار الى حيّز الواقع والتطوير الوطني.
البُعد الثالث أهميته الفكرية والثقافية حيث أطلق من خلال قراءاته نظرته الإنسانية تجاه الحضارات البشرية، فكان بهذا المعنى صوفياً واجتماعياً في آن.
كان همّه إنساني بمضمون اجتماعي واقعي. لذلك لم يكن غريباً عنه إنخراطه في السياسة المحلية والدولية كسبيل لتحقيق تطلعاته بهذا الخصوص. كانت الشفافية سبيله نحو العلاقات الإنسانية، كما النضال الاجتماعي المغلّف بقوة الحق والواجب الوطني.
يبقى في نهاية هذه الكلمة الإشارة الى خاصيّة رافقت الشهيد كمال جنبلاط في حياته وهي ربط الأفكار الإنسانية التي آمن بها بحياته العملية وثقافته من حيث قراءته للشعر والأدب الأجنبي والتراث الحضاري العالمي.. على هذا الأساس، يمكن القول أن فرادته منَحَتهُ تألّقاً، قلَّما حظيت به شخصية من طرازه، فهو القائد السياسي، المفكّر، والنهضوي الإنساني بكل ما للكلمة من معنى.