العدد 23 - فكر كمال جنبلاط البيئي والاستقرائي ومؤتمر باريس للمناخ
فكر كمال جنبلاط البيئي والاستقرائي ومؤتمر باريس للمناخ
 “لا تستطيع أن تحرك زهرة دون أن تهتز احدى النجوم” للشاعر الانكليزي طومسون، عبارة استشهد بها المعلم في بداية القسم البيئي من كتابه “أدب الحياة” مؤكداً على توازن هذا الكون ودقة العلاقة بين الانسان والبيئة وعلى أهمية محافظة هذا الكائن البشري على علاقته مع الطبيعة ومع الآخر ومع المخلوقات وكل شيء حي في هذا الكون…
نظرة كونية شاملة صبغت فلسفة المعلم في تخوفه على ديمومة الكوكب وخاصة عندما نعلم بأن عدد سكان العالم عام 1800 كان حوالي نصف مليار نسمة فارتفع إلى مليارين في أوائل عام 1900 حتى يرتفع بشكل تسارعي أكبر إلى حوالي الستة مليارات حالياً… وبنظرته الثاقبة الاستقرائية كان خوفه في محله عندما نرى مدى تعدي الانسان على الطبيعة وخاصة ان الموارد الاولية هي نفسها ولكنها تقلصت إلى حد بعيد على كل الاصعدة فإذا كانت البيئة تراب وهواء ومياه فإن هذا المثلث الذهبي يتعرض كل يوم إلى التلوث والانتقاص والتحول المرعب من عالم متوازن إلى عالم يخاف من ديمومة الأرض… ومؤتمر باريس الحالي يجسّد مدى جدية تصاعد الغازات المسببة للاحتباس الحراري نتيجة الفلتان في عدم احترام استدامة البيئة وكان في الماضي دولةٌ عملاقة واحدة تلوث الكون وتسبب بحوالي 35% من مجمل التلوث وقد شدد عليها كمال جنبلاط وهي الولايات المتحدة الأميركية وفي الوقت الحالي صعدت الصين العملاق الجديد إلى موقع الملوث الثاني وبعدها الهند والمنظومة الأوروبية والبرازيل وأفريقيا الجنوبية… ويكفي للدلالة أن نعلم بأن الولايات المتحدة والصين يشكلان نصف نسبة التلوث العالمي على صعيد انتاج غازات مسببة لارتفاع درجات الحرارة من خلال الاحتباس الحراري ومن ثمّ القضاء على هذا الكوكب إذا لم يتم الالتزام بنسب محدّدة…

يقول المعلّم: “ان الانسان قد خرج عن المألوف والمعقول والطبيعي في عدد كبير من الأشياء، وأخذ يستصنع بيئته دون أن ينظر بدقة إلى حقيقة تكوّن هذه البيئة، وكيف أنّها أوجدت لذاتها أنظمة خاصة لتحويل جميع الافرازات والنفايات إلى عناصر جديدة تدخل في صنع وتغذية النبات والحيوان,اللذان يمتصانها في حركة دائبة وحلقة متصلة لا تتوقف في فعلها” وينبه بصوت عالٍ من تمادي الانسان في عدم احترامه هذا الكون عندما يقول حرفياً:” وقد ارتفعت صرخات العلماء في كل قطر للتدليل على محاولة الانسان المعاصر في طموحه المجنون، أن ينتحر وأن يجعل الطبيعة الحية تنتحر معه على وجه الأرض” ناقلاً عن الدكتور شوايتزر قوله المأثور: ” إن الإنسان إذا فقد موهبة التحسب ومجانبة الضرر فانه سينتهي شأنه بتهديم هذه الارض”.
 يقول المعلّم: “ان الانسان قد خرج عن المألوف والمعقول والطبيعي في عدد كبير من الأشياء، وأخذ يستصنع بيئته دون أن ينظر بدقة إلى حقيقة تكوّن هذه البيئة

الجنس البشري قد يكون في حالة اضطراب وخطر أكثر مما نستطيع أن نتصور ذلك، ويمكن أن لا يدرك الانسان هذا الخطر الا بعد أن يكون قد تجاوز به نقطة اللارجوع
 وفي تقاطع غريب واعجازي بين ما يجري في أضخم مؤتمر كوني للمناخ في باريس ما كتبه كمال جنبلاط عندما يقول حرفياً في صفحة 150 من كتاب أدب الحاة “ان الجنس البشري قد يكون في حالة اضطراب وخطر أكثر مما نستطيع أن نتصور ذلك، ويمكن أن لا يدرك الانسان هذا الخطر الا بعد أن يكون قد تجاوز به نقطة اللارجوع، أي حيث لا يعود يفيد أي تدبير” ويقارب الحقيقة عندما يتمسك بقول العالم الدكتور كول: “نحن في الحقيقة نلعب بأنفسنا وبالبشرية لعبة الروليت فإننا نستمر بوضع كيماويات جديدة في البيئة المحيطة، دون أن نختبر النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها، فإذا احدى هذه المواد الكيميائية احدثت تسمماً شاملاً للجراثيم الصانعة النيتروجين، فإن الإنسان لا يعود يستطيع أن يتنشق الهواء في شهيقه وزفيره” أي أن الأرض تعود إلى الظروف التي كانت عليها منذ ولادة هذا اللون من الحيوان ذي الرئة والالبان والذي يتوج سلالته الانسان”.
كلام عمره نصف قرن من الزمن وكأنّ المعلّم يلعب دور الشاهد على المؤتمرات الكونية التي يهدها ويخيفها مسألة الاحتباس الحراري ومسألة كيفية المحافظة على هذا الكون…
معلمي في عيد ميلادك أحببت أن ألقي الضوء على الجانب البيئي الاستقرائي الاعجازي الذي تفوقت فيه على نفسك مثل كافة الحقول الفلسفية والفكرية والإجتماعية والعلمية… فكنت رائداً وشاملاً وبصمة مجد وإبداع مسيرة الإنسانية جمعاء…
معلمي يقول ميخائيل نعيمة” يوم تبصر في أصغر أقحوانة وساماً، وفي أحقر حشرة معلماً، يوم ذلك تتسابق الدراري لتجلس أوسمة على صدرك، وتشتهي الأرض لون تكون منبراً لك، “معلمي في عيد ميلادك أردد مع ميخائيل نعيمة: ” تشتهي الأرض أن تكون منبراً لك”.