العدد 22 - اضواء على تاريخ صالات العروض المسرحية في بيروت
اضواء على تاريخ صالات العروض المسرحية في بيروت
 من الأرشيف - جريدة النهار - 13/1/2013

كانت بيروت في الماضيين القريب والمتوسط، تلك المدينة القديمة بأحيائها وأسواقها التقليدية، ثم المتمددة جغرافياً خارج سورها وقلبها النابض، تفخر بمسارحها وصالات العرض فيها، التي كان لها الفضل الكبير في نهضة المسرح اللبناني. أمام تراجع العروض المسرحية واستفحال أزمة الفن المسرحي البنيوية، ينصرف المعنيون والمهتمون والنقاد إلى نقد ما وصل إليه الفن المسرحي اللبناني من مستوى متراجع، لكن اللافت أن العملية النقدية مقتصرة على تناول أزمة المسرح من النواحي ذات الصلة بالإنتاج والنص والإخراج والأداء التمثيلي، من دون التطرق إلى واحد من أهم الأسباب الجوهرية والحقيقية لأزمة المسرح المتمثلة بفقدان صالات العرض المسرحي بشكل ممنهج الواحدة تلو الأخرى.

في وقت مضى، كانت خشبات مسارح العاصمة تضج بالأعمال المسرحية النوعية، وتشكل الملاذ والحضن الدافئ لكل المسرحيين، فإذا بمدينة بيروت الفاقدة مسارحها تتحول برمتها خشبة لمسرح دائم للأحداث والتطورات المختلفة من شتى أشكال الدراما والتراجيديا! فكيف يمكن المسرح اللبناني أن يستعيد أيام عزه، في وقت تتلاشى أو تكاد أغلب صالات مسارح العاصمة؟
سؤال كبير، بحجم أزمة المسرح اللبناني، برسم الدولة ووزارة الثقافة تحديداً. في الإنتظار، نجرف من مخزون الذاكرة كنوز ذلك الزمن المسرحي الجميل من خلال استعراض تاريخ صالاته التاريخية في وسط العاصمة التي احتضنت أرقى العروض المسرحية.
لم تكن مدينة بيروت في القرن التاسع عشر قد اكتشفت الفن المسرحي بعد، وكان من الطبيعي أن لا تنشأ في المدينة الصالات المخصصة للعروض المسرحية. وكانت آنذاك الوسائل الترفيهية المتاحة تكمن في شكلين من أشكال الفنون الشعبية تتمثلان في عروض “خيال الظل” و”الحكواتي”، في المقاهي، ولاسيما مقاهي ساحتي “البرج” و”عسور” (رياض الصلح حالياً). شكّل هذان النوعان من الفن الشعبي بذور بداية المسرح اللبناني، فقد تضمنا بعض خصائص المسرح كالنص والأداء والجمهور، لتمهد الطريق في ما بعد للحال المسرحية اللبنانية إنطلاقاً من العاصمة.

بدايات العروض المسرحية
أواخر القرن التاسع عشر بدأت تظهر ملامح بدايات العروض والأعمال المسرحية في بيروت، ولكن ليس على خشبة المسارح، بل في منازل أعيان ووجهاء من الطبقات الميسورة والغنية، وتحديداً في المناسبات السعيدة وحفلات الزواج والولادة والختان وتكريم الضيوف والزوار الوافدين من الخارج. كما درجت في وقت لاحق العروض المسرحية في الصالونات الأدبية التي كانت حكراً على العائلات البورجوازية.
المسارح المكشوفة
مع بدايات القرن العشرين بدأت بيروت تعرف بعض صالات العرض المسرحي المكشوفة، وخشبات المسارح غير الثابتة لتقدم عليها العروض المسرحية. في هذا الإطار يكشف المؤرخان عبد اللطيف فاخوري ومختار عيتاني في كتابهما “بيروتنا” ما يأتي: “نشير إلى وجود مسرح في محلة السور بجانب سوق الهال، كتب على مدخله بخط أحمر “تياترو سوق الهال” كان رسم الدخول إليه ستة قروش، وكان على الداخل أن يحني ظهره نظراً لانخفاض باب المسرح. وكانت كراسيه مبعثرة وعتيقة، خصلانها عريضة وأحضانها مثقوبة. وقد بلغت مساحته مئة متر مربع بما فيه المسرح والكواليس. وكان يحتوي على “لوج” من أخشاب مسمر بعضها إلى بعض”. ويضيفان أن الممثلين يقفون في آخر الرواية ويرددون نشيداً يدعون فيه إلى الحشمة والأدب ويدعون البلاد إلى الإستقلال، والجمهور إلى حضور رواية الليلة التالية.
مسارح المدارس
ترافق هذا النشاط المسرحي المتواضع مع إنشاء الفرق المسرحية من التلاميذ الذين استهواهم الفن المسرحي، فعمدت المدارس والمعاهد إلى تشييد مسارحها ليقدم عليها تلامذتها نشاطاتهم المسرحية، التي ما لبثت أن سمحت بتأجيرها من بعض الفرق الخاصة. يعدد الكاتب والمخرج المسرحي محمد كريّم في كتابه “المسرح اللبناني في نصف قرن” هذه المسارح: مسرح اليسوعية في الأشرفية، مسرح دار الأيتام الإسلامية في الطريق الجديدة، مسرح الحكمة في الأشرفية، مسرح البطريركية في محلة البطريركية (زقاق البلاط)، مسرح بيت الأطفال في منطقة الحرج، مسرح الفرير في الجميزة، مسرح الفرير في محطة “غراهام” عين المريسة، مسرح “وست هول” في الجامعة الأميركية في رأس بيروت.
 خشبات مسارح العاصمة تضج بالأعمال المسرحية النوعية، وتشكل الملاذ والحضن الدافئ لكل المسرحيين،

كانت آنذاك الوسائل الترفيهية المتاحة تكمن في شكلين من أشكال الفنون الشعبية تتمثلان في عروض “خيال الظل” و”الحكواتي”، في المقاهي

مع بدايات القرن العشرين بدأت بيروت تعرف بعض صالات العرض المسرحي المكشوفة، وخشبات المسارح غير الثابتة لتقدم عليها العروض المسرحية.
 أول المسارح
خلال الربع الأول من القرن العشرين أخذت الحركة المسرحية في بيروت تزدهر، الأمر الذي استدعى إنشاء صالات عدة تستوعب الفرق التمثيلية الوافدة من مصر، فضلاً عن الفرق المسرحية المحلية. من أول المسارح: مسرح “زهرة سوريا”، مسرح “الكريستال”، مسرح “الرويال”، مسرح “الأمبير”، مسرح “التياترو الكبير”، ولاحقاً “المسرح الوطني” الذي أسسه الفنان الراحل حسن علاء الدين (شوشو). مع الإشارة إلى أن بعض هذه الصالات كانت تستخدم سينما ومسرحاً في الآن نفسه. غير أن هذه المسارح الأولى أُهملت ولم تعد صالحة للإستعمال إبان الحرب العالمية الأولى التي كان لها تداعيات وانعكاسات كارثية على بيروت، مما جعل الحياة فيها بالغة الصعوبة من جراء الفقر والمجاعة والأمراض والأوبئة والتجنيد الإجباري. بعد انتهاء الحرب الأولى، تتابع مجدداً النشاط المسرحي في بيروت. فجدد مسرح “الكريستال” الذي كان يحتوي على أضخم المقصورات إضافة إلى غرف الممثلين. ثم تبعه مسرح “التياترو الكبير”، ومسرح “الأمبير”، ومن ثم مسرح “زهرة سوريا” الذي تحول في ما بعد إلى “مسرح فاروق” أو “مسرح التحرير”.

فرق مسرحية مصرية
استقطبت بيروت في تلك الفترة العديد من الفرق المصرية المشهورة. ومن أشهر الفرق التي أمت ربوع بيروت مطلع العشرينات “فرقة رمسيس” وعلى رأسها يوسف وهبي وجورج أبيض، وفرقة فاطمة رشدي الملقبة بـ”صديقة الطلبة”، وفرقة نجيب الريحاني وزوجته بديعة مصابني. ثم برزت فرق مصرية جديدة كانت تقدم عروضها في مسارح بيروت، منها: فرقة سليم وأمين عطا الله التي عرفت باسم “فرقة كشكش بك”. وعرفت بيروت أيضاً “فرقة عكاشة إخوان” للتمثيل الكوميدي قدمت مسرحيات عدة على مسرح “الكريتسال”. كما عرفت بيروت “فرقة علي الكسار” التي اشتهرت برواية بنت فرعون.
الفرق اللبنانية
برزت فرق محلية كان من أشهرها الفرقة التي أسسها الثنائي محمد شامل وعبد الرحمن مرعي وكانت أعمالها تلقى رواجاً كبيراً حتى وفاة الثاني عام 1959. من الفرق التي اشتهرت محلياً أيضاً فرقة الشيخ رائف فاخوري، فرقة الفنان علي العريس وزوجته الفنانة ناديا شمعون، وفرقة وجيه ناصر، وفرقة عيسى النحاس، وفرقة أسرة بيروت، وفرقة عبد الحفيظ محمصاني. وعرفت بيروت أيضاً في تلك الحقبة المسرحيات الوطنية الهادفة والمسرحيات الغنائية الدرامية، إضافة إلى المسرحيات الهزلية (الأوبرا كوميك). في وقت لاحق أنشئت المسارح الحديثة خارج وسط بيروت لتمثل مناطق عدة. من أبرزها “مسرح بيروت” في عين المرسية، و”مسرح قصر البيكاديلي” في شارع الحمراء، إضافة إلى “مسرح كازينو لبنان”، و”مسرح الستاركو” في شارع جورج بيكو، و”مسرح المدينة” في كليمنصو، وغيرها.
هنا ضوء على الصالات والمسارح التي أرّخت لجزء كبير من الحركة المسرحية اللبنانية، من خلال استعراض تاريخها والظروف التي أحاطت بتشييدها.

مسرح “زهرة سوريا”
مسرح “زهرة سوريا” في ساحة البرج هو أقدم مسارح بيروت المستوفي الشروط الفنية، يرجح أنه تأسس في العام 1887. أنشأه سليم آغا كريدية وشريكه سليم بدر على الطريقة الأوروبية النمسوية، بناءً على نصيحة والي بيروت خالد بك البابان الذي كانت تربطه علاقة صداقة بكريدية، حيث عرض عليه فكرة إنشاء المسرح وساعده على ذلك بعد زيارته للنمسا (بحسب ما ورد في كتاب “مسارح بيروت وتواريخها”)، الذي يشير أيضاً إلى أن إسم “زهرة سوريا” أطلق على هذا المسرح لأن بيروت كانت تطلق عليها هذه الصفة في القرن الثامن عشر. واستمر في العرض حتى 1903، حيث استثمره المسرحي يوسف بشارة لثلاث سنوات، ثم حوله كريدية وبدر إلى دار للعرض السينمائي والمسرحي. مع بدء الحرب الأولى تحول المسرح إلى مركز إمداد للقوات العثمانية إلى حين إنسحاب الجيش التركي من بيروت، ليعاود المسرح نشاطه حتى 1927، عندما إشتراه علي حموي وجعله مقهى بإسم “الكريون”، ومن ثم مخزناً للمواد الغذائية. في 1940 استثمره الممثلان ناديا تقلا شمعون وعلي العريس وأطلقا عليه إسم “تياترو ناديا”، إلا أن شركتهما أفلست عام 1945 ليتوقف المسرح عن العمل. اشتراه عفيف كريدية أواخر عام 1945 وجدده وأطلق عليه إسم “مسرح فاروق” تيمناً بملك مصر والسودان، وبعد ثورة 1952 في مصر غيّر إسمه وأطلق عليه إسم “مسرح التحرير” تعاطفاً مع ثورة عبد الناصر، واستمر على هذا الإسم حتى 1971 عندما تعرض لحريق كبير قضى على أرجائه. يشار إلى أن “مسرح فاروق” تميز عن باقي مسارح العاصمة بانفراده في انتقاد السلطة السياسية والحكومات المتعاقبة والشخصيات السياسية البارزة في البلاد. وهذا ما جعل المؤرخين يصفونه بالمسرح السياسي الأول في لبنان.

مسرح “الرويال”
كان موقعه إلى الجهة الغربية من ساحة البرج. كان يعرف بـ”مسرح الشيدوفر”، حيث كانت هذه الصالة ثمرة شراكة بين الآغوين سليم كريدية وسليم بدر عام 1919، عندما أسساها لتكون داراً للعرض السينمائي تارة وللعرض المسرحي طوراً، لمدة خمس سنوات متتالية. في 1924 انتقلت ملكية صالة “الشيدوفر” إلى نقولا قطان وجورج حداد اللذين غيّرا إسمها إلى مسرح “الرويال” لتحتفظ بهذا الإسم إلى هدمها بداية الخمسينات لفتح الطريق بين ساحة البرج وشارع بشارة الخوري. يوضح الكاتب والمخرج محمد سويد في كتابه “يا فؤادي”: “قرار الهدم لم يلحظ مصير عمال الصالة وحقهم في الحصول على تعويضات. وحين رفض أصحاب الصالة إخلاءها من محتوياتها، تفاقمت المشكلة وتحولت الصالة إلى سد في وجه تنفيذ مشروع شق الطريق. عندها نزل رئيس مجلس الوزراء سامي الصلح بنفسه إلى مبنى السنيما، آمراً بهدمه على من فيه على الفور. وتردد في النهاية أن الحكومة وافقت على دفع تعويضات مقدارها سبعة عشر ألف ليرة”.

مسرح “الأمبير”
يقع إلى الجنوب الشرقي من ساحة البرج لجهة الطريق المؤدي إلى شارع الجميزة، على مقربة من مقهى “الباريزيانا”. أنشئ عام 1904 كخان (فندق)، ثم حوله جورج حداد ونقولا قطان إلى مسرح عام 1920، فأحضرا المعدات والمقاعد والألواح الخشبية من الخارج وأحسنا ترتيبه وتصميمه ليتسع إلى أكبر عدد من الرواد، حيث بلغ 1213 مقعداً. وكان يتميز بطبقتين من “الألواج” تطلان على الصالة الفسيحة ذات المقاعد الفخمة. وكان يعتبر في حينه أكبر مسارح بيروت. لعبت على هذا المسرح مجموعة من الفرق الأجنبية، كما اختارته الممثلة فاطمة رشدي لتقدم عليه مسرحياتها دون سواه من الصالات لإستيعابه العدد الأكبر من الرواد، قبل أن يتحول للعرض السينمائي حيث قدّمت فيه رشدي آخر عرض مسرحي عام 1929 ليتحول صالة للعروض السينمائية فقط حتى العام 1975، إذ تعرض لدمار هائل جراء الحرب. يذكر أن تقلا وحداد اللذين بالغا في إتقان “الأمبير”، كانا أول من استقدم عام 1930 آلتين من شركة “وسترن إلكتريك” للسينما الصوتية المتكلمة، ودعوَا الوجهاء ورجال الصحافة لحضور أول فيلم يعرض في لبنان مع سماع موسيقاه. وورد في العدد 26 من جريدة “المعرض” (كانون الأول 1929 – كانون الثاني 1930) تحت عنوان “السينما المتكلمة في مسرح الأمبير”، ما يأتي: “لا تزال إدارة المسرح الراقي تولي الجهود الثمينة لاستجلاب كل جديد وطريف في عالم الفن والتمثيل والسينما. ولقد أتيح لنا في الأسبوع الماضي أن نحضر التجربة الأولى من عرض السينما المتكلمة فإذا نحن أمام تحفة للفن عجيبة وإذا نحن مكبرين همة أصحاب الأمبير لما بذلوه من جهود ومال في إتحاف بيروت بما عجزت عن تحقيقه مصر”.
 
 “مسرح الكريستال”
بنى سليم آغا كريدية مكان منزل والده الكائن خلف الجهة الجنوبية الغربية لساحة البرج على مدخل “سوق النورية” مسرح “الكريستال” في بدايات عشرينات القرن الماضي، على طراز المسارح الأوروبية، سواء لجهة مقاييس الخشبة والتجهيزات، فضلاً عن صالته الفخمة التي كانت تتسع لـ706 مقعداً. وكان مسرح “الكريستال” معروفاً إقليمياً ومتوسطياً، مما جعله يستقطب فرقاً أوروبية وعربية. خضع لترميمات وإعادة ديكور. فبعد الحرب الأولى تم تجديد الصالة وتحويلها من ثوبها العثماني إلى الطراز الفرنسي بإشراف مهندسة ديكور فرنسية تدعى أنطوانيت فانس، تماشياً مع النمط الجديد للمدينة التي انفتحت على العادات الأوروبية، فضلاً عن مواكبة التطورات التقنية والتجهيزات والأجهزة الصوتية والضوئية. بعد الحرب العالمية الثانية تم تجديد الصالة، إلا أنه توقفت فيها العروض المسرحية، لتتحول فقط إلى صالة للعروض السينمائية، مع إحياء بعض الحفلات الفردية لعدد من المطربين. وسبب تحولها إلى سينما فقط يعود إلى عدم قدرتها على منافسة مسرح “فاروق”.
آخر تجديد خضع له “الكريستال” كان 1959، ليبدأ هبوط مستواه تدريجاً اعتباراً من نهاية الستينات حتى بداية الحرب التي حولت الصالة إلى أنقاض.
يذكر أن مسرح “الكريستال” احتضن العديد من الإحتفالات السياسية، حيث تم فيه الإعلان عن قيام “الحزب الشيوعي اللبناني”، “حزب الشعب” سابقاً في الأول من أيار عام 1925. كما أقيمت فيه احتفالات “حزب النجادة” والثورة الجزائرية، ومهرجان العرب المناهض للحركة الصهيونية العالمية عام 1931، ومؤتمر التضامن مع ثورة عبد القادر الحسيني عام 1935، واحتفالات السفارة المصرية لمناسبة زواج الملك فاروق.

“التياترو الكبير”
“التياترو الكبير”، أفخم مسارح بيروت وأرقاها أيام العز. كان عبارة عن مستودع للزوارق يمتكله أبو عبد الله الشرقاوي في شارع المير بشير بين اللعازارية وساحة رياض الصلح، ثم بيع إلى جورج تابت الذي قرر بمبادرة فردية، أن يسد فراغ المدينة من حيث إفتقارها إلى مسرح بعد “الكريستال” غرب ساحة الشهداء. أوكل تابت مهمة هندسته إلى يوسف أفتيموس أواخر العشرينات، فتألف المبنى من ثلاث طبقات تعلوها قبة كانت تفتح وتغلق على الكهرباء للتهوئة. وتميز المسرح بكونه دائرياً يشبه في هندسته المسارح اللندنية القديمة، أما مقاعده الـ 706 الحمراء، فكانت تشبه إلى حد كبير مسرح “الأوبرا” في فرنسا، وتميز “التياترو” ببهوه الفسيح الذي يتفرع منه درجان عريضان يؤديان إلى مقصوراته الفخمة وغرف الممثلين الفسيحة، كما تميز في مدخله الخارجي بالزخرفة والزينة، أما ديكوره الداخلي فغلبت عليه البساطة. وكانت التقنيات فيه تتطابق مع المواصفات العالمية في ذاك الوقت، إذ كان مجهزاً تقنيات صوتية مدروسة، فيصل الصوت بوضوح إلى مشاهد آخر الصالة، كذلك كانت تقنياته الضوئية تضفي على الديكور أجواء رائعة. افتتحت صالة “التياترو الكبير” بعروض مسرحية عام 1929 لفرقة ماري بل وشارل بواييه، وافتتح موسم التمثيل الفرنسي بـ”الأوبريت كلاسيك” وبعد عام قدمت “الكوميدي فرانسيز” بعضاً من عروضها وكان من بين أعضائها الممثل المصري جميل راتب والفنانة الرومانية إيفيت بوبسكو. كذلك استقطب “التياترو الكبير” عمالقة الغناء والطرب العربي الأصيل لإحياء حفلاتهم في رحابه، حيث غنّى فيه كلٌّ من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب للمرة الأولى في بيروت. ممن تركوا بصماتهم الذهبية على خشبة “التياترو” عميد المسرح يوسف وهبي الذي عرض مسرحيات عدة مع فرقته، وكذلك الفرقة القومية المصرية للمسرح وكان من بين ممثليها أمينة رزق، فؤاد شفيق وحسين رياض.
يذكر أنه عندما أراد الفرنسيون شق طريق يمتد من مرفأ بيروت إلى محلة الحرج وضعوا في إعتبارهم إزالة “التياترو”، إلا أن ذلك لم يحدث بسبب أصوات الإحتجاج التي ارتفعت آنذاك.
 “التياترو الكبير”، أفخم مسارح بيروت وأرقاها أيام العز. كان عبارة عن مستودع للزوارق يمتكله أبو عبد الله الشرقاوي في شارع المير بشير بين اللعازارية وساحة رياض الصلح،

تميز المسرح بكونه دائرياً يشبه في هندسته المسارح اللندنية القديمة

كذلك استقطب “التياترو الكبير” عمالقة الغناء والطرب العربي الأصيل لإحياء حفلاتهم في رحابه، حيث غنّى فيه كلٌّ من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب للمرة الأولى في بيروت.
 “المسرح الوطني”
أنشأ شوشو والمخرج والمؤلف القادم من طرابلس نزار ميقاتي والكاتب وجيه رضوان في تشرين الثاني 1965 في ساحة البرج “المسرح الوطني”، بعدما حلما طويلاً بتأسيس نظام مسرحي يومي في لبنان، فكان لهما ما أرادا عندما حولا صالة سينما “شهرزاد” التي كانت تعاني من ركود في العمل إلى مسرح يومي، وكوَّنا فرقة له بطلها ونجمها شوشو نفسه، الذي كان يكثف من عطائه ويضاعف من طاقاته لتتوالى العروض المسرحية على خشبة “المسرح الوطني” إذ وصلت إلى 24 مسرحية، كأنه يتوقع موته المبكر، حيث كان على سباق دائم مع الوقت. الطريف في الموضوع أن شوشو كان يمر بالمصادفة من أمام صالة “شهرزاد” فوجد مديرها ومدير صالة سينما “دنيا” أنطوان شويري عند مدخل السينما، فسأله شوشو: هل تؤجرني هذه الصالة؟ فقال له: لماذا؟ قال: أريد أن أجعل منها مسرحاً. قال الشويري: أنا جاهز، تعال متى شئت. وصعق شوشو من الجواب إذ لم يكن يتوقع أن يوافق شويري على تأجيره إياها بهذه السهولة. في اليوم التالي قصد شوشو الكاتب وجيه رضوان في “مقهى الحاوي” وقال له: لقد جاءت ليلة القدر. سأله: كيف؟ أجابه: اتفقت مع أنطوان شويري على تحويل سينما “شهرزاد” إلى مسرح. فوجئ رضوان إلى درجة الذهول، لأنه يعتبر فكرة إنشاء مسرح يومي مغامرة جنونية في بلد كلبنان! مضت الأيام فعرض رضوان الفكرة على المخرج نزار ميقاتي وعرّفه إلى شوشو وتوجه الثلاثة إلى ساحة البرج وناقشوا الموضوع مع صاحب سينما “شهرزاد” هنري شقير ومديرها أنطوان شويري، وتم الإتفاق على ان يتولى شقير وشويري إعادة ترميم الصالة وتهيئتها بصورة جيدة لتصبح مسرحاً، على أن يتولى الثلاثة رضوان وميقاتي وشوشو تجهيز المسرح والممثلين وسائر العناصر اللازمة لقيام مسرح تمثيلي. وصعدوا في الليلة نفسها إلى مقهى “نصر” في الروشة وتوزعوا الصلاحيات والمهام، وقسموا الحصص، على أن يكون لشوشو أربعون في المئة ولنزار ميقاتي أربعون في المئة ولوجيه رضوان عشرون في المئة. وكانت أولى المسرحيات “شوشو بك في صوفر” المقتبسة من مسرحية “رحلة السيد كيرشون” للكاتب الفرنسي أوجيه لابيش حيث عرضت المسرحية في تمام الساعة الثامنة من مساء الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 1965.
كانت وفاة شوشو عام 1975 إيذاناً بموت الزمن الجميل، فانطفأت شعلة “المسرح الوطني” وتوقف قلب بيروت عن الخفقان وأظلمت ساحة البرج ودفنت وحشية الحرب وإجرامها مسارح بيروت التقليدية والتاريخية، لتنطوي صفحة مضيئة من تاريخ العاصمة.
 كانت وفاة شوشو عام 1975 إيذاناً بموت الزمن الجميل، فانطفأت شعلة “المسرح الوطني” وتوقف قلب بيروت عن الخفقان وأظلمت ساحة البرج ودفنت وحشية الحرب وإجرامها مسارح بيروت التقليدية والتاريخية، لتنطوي صفحة مضيئة من تاريخ العاصمة.