العدد 22 - هدية الهم
هدية الهم
 عند انبلاج الفجر وقف الهمّ على رأس أعلى قمة في الأرض , وكانت الأرض لا تزال في شبه إغماءة توشك أن تنتهي بثورة من الهسترة . ومن بعد أن جال بطرفه في كلّ ناحية أخذ يخاطب نفسه ويقول: (( مَن مثلي ؟ أي سلطان كسلطاني وأيّ ملك كملكي ؟ ما من بقعة في الأرض إلّا لي فيها أعلام تخفق وجيوش تزحف من نصر إلى نصر . لي في كلّ فم لسان , وفي كلّ عين إنسان , وفي كلّ قصعة ملعقة , وعلى كلّ كأس شفة... الخوف محراثي , والجوع انفي, والناس ثيراني , والموت بيدري ....
وبقي الهمّ يسكب لنفسه رحيق العظمة في أكواب الفجر حتى كاد يسكر ويذهل عن نفسه . لكن دفقة قوية من النور جعلته ينتفض ويصحو من سكرته وينقلب عن تأمّلاته الأولى إلى تأمّلات سواها . ذلك أن الشمس أطلّت من وراء الأفق البعيد . وبين الشمس والهمّ عداوة خفية تأصّلت منذ كانت الشمس وكان الهم .
التفت الهمّ إلى عدوته اللدودة وخاطبها قائلاً:
" أيتها الشمعة الغريرة الضريرة . أنت وحدك مبعث الهمّ للهمّ . فلولاك لعاش الهمّ بغير همّ . أنت وحدك تحاولين كشف ما أستر وجبر ما أكسر . إلّا أنّك عبثاً تحاولين .
إلا أن الشمس ما تكرّمت على الهمّ لا بكلمة حرب ولا بكلمة سلم , وسارت بموكبها الناري في السبيل الذي ما حادت عنه يوماً منذ كانت شمساً .
وكأنّ الهمّ صعب عليه ألّا تبدي الشمس أقلّ اكتراث لصداقته أو عداوته , فأخذ رأسه بين كتفيه ثمّ تنهد وقال:
" لا هي تستريح ولا أنا أستريح . وها هي ذي الأرض وكل ما عليها تستريح فترة وتعمل فترة وحياتها غفوة ثمّ صحوة . الا انا. أنا وحدي لا أعرف الراحة لا في الليل ولا في النهار , أليس من حقّي أن أستريح؟
ونمت فكرة الراحة في رأس الهمّ فتمدّد على الأرض , وتنفس الصعداء ثمّ هتف من أعماق قلبه :
 ذلك أن الشمس أطلّت من وراء الأفق البعيد . وبين الشمس والهمّ عداوة خفية تأصّلت منذ كانت الشمس وكان الهم .

أيتها الشمعة الغريرة الضريرة . أنت وحدك مبعث الهمّ للهمّ . فلولاك لعاش الهمّ بغير همّ
 (" ما أطيب الراحة من بعد العناء ! حقّاً إنّ في الراحة لمنتهَى الغبطة . "
وأغمض الهمّ عيناه وغاص في سبات عميق . وحلم الحلم العجيب: "يطوف في الارض فلا يسمع غير ألسنة تلعنه , ووجوه تعبس في وجهه , وأيدٍ ترجمه بالحجارة . وكان أقسى وأفظع ما سمعه من الناس قولهم : "أثقل من الهمّ على القلب . "
انكفأ الهمّ على نفسه , وأدركه يأس عظيم ، ثم توجه الى شاطئ البحر وراح يتردّد بين الانتحار والانتقام . ثم ابصر شخصاً مقبلاً نحوه وبادره بالقول:
"السلام يا عمّاه ."
فذهل الهمّ من هذه التحية وتساءل:
" أهمّ وسلام ؟ "
" أجل . همّ وسلام ــ وما همّك يا عمّاه ؟ "
" همّي أنّني الهمّ . "
"أتكون الهمّ وتهتمّ ؟ "
"وكيف لا أهتم وقد طفت في مشارق الارض ومغاربها فلم أجد من يسمعني كلمة حلوة ؟ أنا ممقوت من الناس ، ولكن قل لي، أنت مَن تكون أيّها الآدمي ؟ "
" أنا الذي غلب الهم بالهمّ .؟"
 ما أطيب الراحة من بعد العناء ! حقّاً إنّ في الراحة لمنتهَى الغبطة
 "متى وكيف غلبت الهمّ ؟ "
" غلبته صباح اليوم عند شروق الشمس . "
"هذا أغرب وأعجب ما سمعت، ألم تشرق عليك الشمس قبل اليوم ؟"
" بلى . ولكن همومي كانت تحجبها عني . أمّا اليوم فقد جمعت كلّ همومي ؟؟؟؟ وجعلت فيها همّاً واحداً , هو همّ الانعتاق من الهم . وبتوحد همومي توحدت قواي . فأصبح الهم لي معلماً حكيماً بعد ان كان جلاداً لئيماً . "
" وماذا علّمك الهمّ ؟ "
(( علّمني ألّا أهتم بما لا أعرف , فاهتمامي به كاهتمام شعرة في رأسي بما يعمله دماغي وقلبي . وذاك هو الجهل بعينه . ثمّ علمني ألّا أهتم بما أعرف , فاهتمامي به كاهتمام رجلي بالمشي والوقوف , وتلك هي البلاهة بعينها . فعلّمني الهمّ أن أعمل عملي من غير أن أهتمّ بالأسباب ولا بالنتائج . وعندئذ قرر الهمّ اهداء محدثه كأساً من ذهب كتب عليها بأحرف من نور " الطمأنينة " وتحتها عبارة :
"هدية الهمّ إلى الذي عرف قيمة الهمّ "
بتصرّف
من كتاب البَيَادر - صفحة 102 - 108
 علّمني ألّا أهتم بما لا أعرف , فاهتمامي به كاهتمام شعرة في رأسي بما يعمله دماغي وقلبي . وذاك هو الجهل بعينه . ثمّ علمني ألّا أهتم بما أعرف , فاهتمامي به كاهتمام رجلي بالمشي والوقوف