العدد 22 - هل من تداعيات لازمة النفايات على الاقتصاد اللبناني؟
هل من تداعيات لازمة النفايات على الاقتصاد اللبناني؟
 إن أزمة النفايات في لبنان، والتي اندلعت في منتصف تموز من العام الحالي وما زالت دون حلّ جذري حتى كتابة هذه السطور، سُلّطت الأضواء على الموضوع البيئي وتداعياته على الصحة العامة وعلى موضوع المسؤولية في القطاع العام و بالتحديد على مسؤولية الطبقة السياسية. ولكن لم تحظى التداعيات الإقتصادية لهذه الأزمة بإهتمام كافي. فهل من تداعيات اقتصادية سلبية أو إيجابية لأزمة النفايات؟

أولاً، أحدى التداعيات المباشرة للأزمة هو بقاء ثقة المستهلك على مستويات منخفضة جدًاً. فحسب مؤشر بنك بيبلوس والجامعة الأميركية في بيروت لثقة المستهلك في لبنان، كانت اصلا" ثقة المستهلك على مستويات منخفضة في النصف الأول من العام 2015. والمعروف أن ثقة المستهلك في لبنان تتأثّر بشكل كبير بالتطورات السياسيّة والأمنيّة، إن كان سلبيّة أو إيجابيّة. لذلك، ما حدث من أعمال شغب في الوسط التجاري جراء التظاهرات و الاحتجاجات المطالبة بحل أزمة النفايات، وتحطيم واجهات المحال التجارية، والتعدّي على القوى الأمنية وما تبعها من أعمال مخلّة بالأمن والتعدّي على الأملاك العامة، من شأنها أن تترك تداعيات على ثقة المستهلك وتبقي هذه الثقة على مستويات منخفضة عوضاً أن يؤدّي موسم الاصطياف، الذي كان مقبولاً نوعا" ما، إلى إرتفاع المؤشر. والجدير بالذكر أن مؤشر ثقة المستهلك بلغ38,5 نقطة في النصف الأول من الـ2015 ، ما يشكّل إنخفاضا" بنسبة 61% عن النصف الأول من العام 2009 حيث وصل المؤشر إلى مستواه القياسيّ ، كما بلغ39,2 نقطة في الفصل الثاني من الـ2015 ما شكّل تراجعا" بنسبة 63% عن الفصل الرابع من الـ2008. أيضا"، تراجع المؤشر من 40,3 نقطة في حزيران الى 39,1 في تموز. إذاً، كان المستهلك اللبناني بحاجة إلى عوامل ترفع من ثقته فيستفيد الإقتصاد اللبناني، بدل من أن يُواجَه المواطن بمشهد يبقي ثقته على مستوى منخفض.

ثانياً، لقد ضرب تراكم النفايات في الشوارع والساحات صورة لبنان السامية في الخارج، وحتى لدى الإغتراب اللبنانيّ. وهذا ما له تداعيات مباشرة على الحركة السياحيّة، وآثار غير مباشرة على عدة قطاعات أخرى. وإذا طرحنا سؤالاً حول التحدي الأكثر إلحاحًا الذي يواجه رئيس بلدية او عمدة أي من المدن في البلدان النامية، نجد أن إدارة النفايات الصلبة هي في رأس القائمة. وبالنسبة للكثير من المُدن، تشكّل إدارة النفايات الصلبة الحصة الأكبر في موازنتها. وهي أيضا مسألة مهمة جدًا من حيث الصحة العامة، وجودة البيئة، ونوعية الحياة والتنمية الاقتصادية. فالمدينة التي لا تستطيع إدارة نفاياتها بشكل فَعًال نادرًا ما تستطيع إدارة خدمات أكثر تعقيدًا كالصحة العامة، والتعليم والنقل. وبالتالي، تؤثرهكذا ازمة على صورة لبنان السامية في الخارج، خصوصا" من ناحية قدرة المسؤولين على إدارة مرافق عامة تؤمن خدمات حيوية للمواطن.

ثالثاً، إن الإقتصاد اللبناني يعاني أصلاً من تباطؤ منذ سنة الـ2011 والذي ازداد في الأشهر الستة الأولى من العام 2015. وكانت التوقعات في بداية السنة تشير إلى نسبة نمو ستبلغ 2% في العام 2015. ولكن معظم المؤشرات اظهرت تباطؤاً في النصف الأول من السنة. وجاءت أزمة النفايات وما تخلّلها من أعمال شغب غير مرتقبة وشعارات فضفاضة انحرفت عن هدف معالجة النفايات، مما ادًى إلى ترقّب وحذر شديدين من قبل المؤسسات والشركات والمستثمرين المحليين والغير مقيمين، بالإضافة الى تريث المستهلك اللبناني، ريثما تنجلي الصورة وتتّضح الأمور. كما ان بدء الاحتجاجات في تموز الماضي أدًى الى إقفال العشرات من المحال تجارية والمطاعم في الوسط التجاري لبيروت حسب غرفة التجارة و الصناعة في بيروت، وتراجع عدد الزوار إلى الوسط التجاري بسبب هذه الاحتجاجات. ولم يكن يحتاج الإقتصاد اللبناني إلى هذا النوع من عدم اليقين الإضافي ليزيد من حدة الجمود الإقتصادي. ونتيجة هذه العوامل مجتمعة، خفّض مصرف لبنان توقّعاته للنمو في لبنان للعام 2015 إلى ما بين الصفر والـ1% في آب، ومن ثمّ عاد وعدّل هذا التوقع في أيلول إلى ما يقارب الصفر بالمئة للسنة الحاليّة. أي أنّ النّمو هذه السنة سيكون دون معدل النمو الذي بلغ 1,4% سنوياً بين العام 2011 والـ2014، ولا يُقارن مع معدل نسبة النمو الذي بلغ 9,1% سنوياً بين الـ2007 والـ2010.
 ما حدث من أعمال شغب في الوسط التجاري جراء التظاهرات و الاحتجاجات المطالبة بحل أزمة النفايات، وتحطيم واجهات المحال التجارية، والتعدّي على القوى الأمنية وما تبعها من أعمال مخلّة بالأمن والتعدّي على الأملاك العامة، من شأنها أن تترك تداعيات على ثقة المستهلك وتبقي هذه الثقة على مستويات منخفضة

لقد ضرب تراكم النفايات في الشوارع والساحات صورة لبنان السامية في الخارج، وحتى لدى الإغتراب اللبنانيّ

 رابعًا، في المسح السنوي حول نوعية الحياة في 230 مدينة في العالم التي أجرتها شركة الإستشارات العالمية Mercer ، جاءت بيروت في المركز181 كأفضل مدينة على معايير جودة مستويات المعيشة (Quality of Living) للعام2015 ، وفي المركز 15 بين 24 مدينة شملها المسح في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وكانت بيروت قد صُنّفت في المركز 173 بين 223 مدينة عالمياً في مسح العام 2014. كما احتلّت بيروت المرتبة 49 بين 58 دولة ذات الدخل المتوسط إلى المرتفع المدرجة في المسح. وكانت بيروت ضمن الـ30 مدينة التي لم يتغير ترتيبها بين العامين 2010 و 2015، في حين تحسّن ترتيب 110منها. وقيّمت الدراسة المدن على أساس 39 مؤشر لجودة مستويات المعيشة تمّ توزيعها على 10 فئات تشمل المؤشرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية الثقافية، بالإضافة إلى العناية الصّحية والصّحة العامة والمدارس والتّعليم والخدمات العامة والنّقل والتّرفيه والسّلع الاستهلاكية والإسكان والبيئة. وتجري الشركة هذا المسح سنوياً لمساعدة الشركات الدولية على تقييم التقديمات الحياتية لموظفيها العاملين في المدن التي شملها المسح. وقد أجرت الشركة المسح في أيّار من السنة الحالية. وبناءً عليه، فإن أزمة النفايات وتداعياتها على الصحة العامة وعلى البيئة ستؤدّي على الأرجح إلى تراجع مرتبة لبنان في مسح الـ2016، ممّا سيعكس تراجع لجودة الحياة في بيروت. ولربما سيكون له تداعيات على قرار الموظفين أو المدراء الكبار في الشركات العربية و الأجنبية اختيار بيروت كوجهة عمل وسكن. وبالتالي سيكون أحد العوامل التي تأخذها الشركات بعين الإعتبار حين تقرّر التواجد في لبنان. وهذا بدوره يمكن ان يؤدٌي الى فرص ضائعة على الاقتصاد.

خامسا"، أحد التداعيات الغير مباشرة لأزمة النفايات هو اكتشاف اللبنانيين فجأة أهميّة وزارة البيئة ودورها الحيوي، حيث أصبحت وزارة سياديّة بامتياز، توازي لا بل تفوق أهميتها معظم الوزارات السياديّة الأخرى. والجدير بالذكر أن وزراء البيئة السابقين، بإستثناء عدد قليل جداً منهم، لم يكن يعطي أولويّة لمهمة وزارته وكان ينصرف إلى التصريحات السياسيّة والعمل الخدماتي بدل الإهتمام بشؤون البيئة؛ إذ أن وزارة البيئة كانت تٌعتبر جائزة ترضية في توزيع الحقائب الوزارية و المحاصصة السياسية حين تشكيل الحكومات. أما اليوم، ومع بروز محورية وزارة البيئة وتسليط الأضواء عليها، من المتوقع أن تٌصبح من الوزارات التي يتنافس عليها الاحزاب لإبراز انجازاتهم. وبالتالي ستتمكن هذه الوزارة من القيام بواجباتها، أو على الأقل هذا هو المتوقع، مما يصبّ في خدمة الإقتصاد والمواطن. إذ أن البيئة السليمة أصبحت حاجة حيويّة لإقتصادٍ سليم، فالبيئة النظيفة وادارتها الجيّدة تؤدّي إلى تنشيط الحركة السياحية، والى دعم قطاعات رديفة، وتشجّع الشركات والمؤسسات المعنية على التوسّع والإستثمار في هذا الإقتصاد، وتستقطب التقنيات والتكنولوجيا المعنيّة بالبيئة.

أخيراً وليس آخراً، أفرزت أزمة النفايات ظاهرة جديدة وغير مسبوقة في لبنان. فمنذ تسليط الإعلام أضوائه على جبال النفايات المنتشرة على الطرقات وفي المناطق، وخصوصاً حينما سلّط الإعلام كاميراته على المتظاهرين و المحتجّين، اكتشف لبنان ثروة جديدة كانت مختبئة حتى الآن. وهذه الثروة تتمثّل بعشرات الآلاف من الخبراء في شأن البيئة، وفي معالجة النفايات الصلبة، وفي إدارة المناقصات وتسعيرها. وأصبح القاسي والداني يملك الحلّ الأنسب لأزمة النفايات، شرط أن يستحوذ على خمس عشرة دقيقة من الشٌهرة على إحدى شاشات التلفزيون. فهنيئاً للبنان بهذه الثروة البشريّة الجديدة الفائضة. لذلك أصبح بإمكان الإقتصاد اللبناني أن يستفيد من هذا الكمّ الهائل من هذه الخبرات، وذلك بتصديرها الى كافة بلدان المعمورة، حيث بإمكان هؤلاء الخبراء جني الثروات واستثمار بعض منها لاحقا" في الوطن الأم، ليتما يستفيد الإقتصاد اللبناني بعض الشيء.

 أحد التداعيات الغير مباشرة لأزمة النفايات هو اكتشاف اللبنانيين فجأة أهميّة وزارة البيئة ودورها الحيوي، حيث أصبحت وزارة سياديّة بامتياز