العدد 20 - في الاقتصاد: الإقتصاد اللبنانيّ بحاجة ماسة الى اصلاحات بنيوية لدفع عجلة النمو
في الاقتصاد: الإقتصاد اللبنانيّ بحاجة ماسة الى اصلاحات بنيوية لدفع عجلة النمو
 أدّى استمرار الأزمة السياسيّة في لبنان، والحرب الدائرة في سوريا، وتداعيات بروز تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشامّ "داعش"، وحالة عدم اليقين السياسي على الصعيدين المحلي والإقليمي إلى إثقال كاهل الإقتصاد اللبنانيّ في العامّ 2014، من خلال الخروقات الأمنيّة، وتعطيل حركة التصدير البري، وتدنّي ثقة المستهلك والمستثمر. كما أنّ الجمود السياّسي في لبنان يعرقل الجهود الراميّة إلى تعزيز إطار السيّاسة العامّة، ولا سيّما فيما يتعلّق بمعالجة مشكلة الدين العامّ، واستغلال إحتياطي الغاز المحتمل وجوده قبالة السواحل اللبنانية ، وتطوير البنى التحتيّة المتردّية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الإقتصاد اللبنانيّ سجّل نموًّا نسبته 1,7% في العامّ 2014، و ذلك بفضل الرّزمة التحفيزيّة التي أطلقها مصرف لبنان من خلال المصارف اللبنانيّة. ومن المتوقّع أن يسجّل الإقتصاد اللبنانيّ هذا العام ارتفاعاً بسيطاً في نسبة النمو لتبلغ 2,2%، وذلك بفضل رزمة تحفيزيّة ثالثة أطلقها مصرف لبنان، وانتعاش طفيف في صادرات الخدمات، لا سيّما السياحة. وتبقى توقعات النمو الاقتصادي للعام 2015 دون مستوى النمو المطلوب لحصول تغيير في دينامية الاقتصاد اللبناني. ومن أجل تحقيق انتعاش فعلي للاقتصاد في الأعوام 2015 و2016، يجب استتباب الوضع الأمني، وانتخاب رئيس جمهورية جديد، والاتّجاه نحو حل للأزمة السورية، وإحراز تقدّم في الإصلاحات البنيوية، ما يساعد على تحقيق نسبة نمو مرتفعة ما بعد العام 2015 و الى خفض مستوى الدين العام إلى مستويات أكثر استدامة.

في المقابل، إن انخفاض أسعار النفط العالمية، وتراجع أسعار المعادن الأساسية تشكل فرصة للسلطات اللبنانية يجب اغتنامها للحد من الاختلالات في المالية العامة وفي الحساب الجاري الخارجي، ولتنفيذ الإصلاحات التي تؤدي إلى انخفاض الأعباء التشغيلية التي يتكبّدها القطاع الخاص ولرفع القوة الشرائية للأسر. غير أنّه ما زال على السلطات صياغة استراتيجية واضحة للتكيّف مع الحقبة الجديدة من أسعار النفط المنخفضة.

وفي ما يتعلق بمسألة الإصلاحات في المالية العامة، يوجد سيناريو محتملاً للمعالجة يقوم على التدابير التالية: (1) تعزيز إدارة العائدات الضريبية ومكافحة التهرب الضريبي المتفشي على نحو واسع؛ (2) بيع الأصول الغير المنتجة المملوكة من قبل الدولة (مثل الممتلكات العقارية)؛ (3) رفع متوسط تعرفة الكهرباء بشكل تدريجي إلى المستوى المطلوب لتغطية التكلفة، علماً أنّ التعرفة الكهربائية لم تتغير منذ العام 1996 عندما كان سعر برميل النفط العالمي يبلغ 23 دولاراً؛ (4) إصلاح نظام التقاعد لتصحيح الاختلالات فيه؛ (5) تحرير قطاع الاتصالات لإفساح المجال أمام منافسة حقيقية؛ (6) إشراك القطاع الخاص في تمويل مشاريع البنى التحتية؛ (7) فرض غرامات مالية على الممتلكات البحرية المبنيّة بصورة غير قانونية؛ (8) زيادة الضرائب غير المباشرة المفروضة على التبغ؛ (9) وقف التوظيف في السلك المدني للقطاع العام؛ و تقليس النفقات الجارية بنسبة 2% سنويا". ومن شأن هذه الإصلاحات أن تقلّص عجز الموازنة العامة إلى 5? من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2018. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 140? من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2014 إلى 125? بحلول العام 2018.
 الإقتصاد اللبنانيّ سجّل نموًّا نسبته 1,7% في العامّ 2014

انخفاض أسعار النفط العالمية، وتراجع أسعار المعادن الأساسية تشكل فرصة للسلطات اللبنانية يجب اغتنامها للحد من الاختلالات في المالية العامة
 من جهة أخرى، إنّ تردّي البنى التحتيّة على مستوى الطاقة، والمياه، والنقل، والاتصالات أدّى إلى إضعاف القدرة التنافسيةّ وإمكانيّة نموّ الاقتصاد. و قد صنّف المنتدى الاقتصادي العالمي لبنان في المرتبة 113 من أصل 144 دولة "على مؤشر التنافسيّة العالمي"، وهي مرتبة متدنية جداً نسبة للمراتب التي أحرزتها الإقتصادات الناشئة المتوسطة الدخل الأخرى. وأظهر التقرير تصنيفات متدنيّة جدًّا على مستوى المتطلّبات الأساسيّة، (مما يعكس بشكل أساسيّ المناخ الماكروإقتصادي الضعيف)، والفعالية (بسبب ضعف البنى التحتية). وبحسب مسح أجراه "المنتدى الإقتصادي العالمي"، تكمن العوائق الأساسية التي تقف في وجه ممارسة الأعمال في لبنان في تردّي البنى التحتيّة، و السياسات الإقتصادية غير المستقرة، وعدم الإستقرار السياسيّ، وتفاقم الفساد. ابضا"، احتلّ لبنان المرتبة 111 من أصل 189 بلدًا في تقرير البنك الدولي حول "سهولة ممارسة أنشطة الأعمال" لعام 2015. كما لا يزال ترتيبه متدنّيًا جدًّا على مستوى مؤشرَي" تطبيق العقود" و"سهولة إنشاء شركات جديدة".

اذا"، في ظلّ الأوضاع الإقليميّة والمحليّة غير المستقرّة، يَكمُن التحدي الأساسيّ الراهن في تحقيق معدلات نمو مرتفعة على المدى القريب، من خلال تطبيق إصلاحات هيكليّة حقيقيّة. ويمكن تعويض تراجع القدرة التنافسيّة للاقتصاد اللبناني في السنوات الأخيرة بإجراء إصلاحات هيكليّة تهدف إلى خفض كلفة الاعمال وتحسين مستوى الخدمات العامّة، ولاسيّما في قطاع الكهرباء. وسيساهم ذلك الى تحويل الإقتصاد اللبنانيّ من إقتصاد ذي استهلاك ضعيف وقيمة مضافة متدنيّة إلى اقتصاد معرفيّ ذي قيمة مضافة عالية، هدفه الأساسي الحدّ من البطالة، خاصة في صفوف الشباب والمتعلّمين.

وقد تؤدّي الإصلاحات الهيكليّة، وتحسن الوضع الأمنيّ، والتوصّل إلى توافق سياسيّ، إلى وضع لبنان على مسار النموّ الإقتصادي المستدام ما بعد العام 2016. وبذلك سينخفض مستوى الدين العام إلى مستويات مقبولة نسبيًّا. كما تجدر الإشارة إلى أنّ موقع لبنان الإستراتيجيّ، وموارده البشرية الغنيّة، وعلاقاته الإقليمية، قد تمكّنه من الاضطلاع بدور هام في تمويل إعادة الإعمار في سوريا، وفي لعب دور الوسيط إلى جلب الإستثمارات إلى إيران، في أعقاب الإتفاق النووي المتوقع إبرامه خلال شهر حزيران/يونيو الجاري بين إيران والقوى العالمية الكبرى.

 إنّ تردّي البنى التحتيّة على مستوى الطاقة، والمياه، والنقل، والاتصالات أدّى إلى إضعاف القدرة التنافسيةّ وإمكانيّة نموّ الاقتصاد