العدد 18 - ملح الأرض
ملح الأرض
عن الكاتب
رئيس الهيئة الادارية في رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
رئيس الهيئة الادارية للتجمع المدني لسلامة المواطن
وزير اقتصاد سابق
مقالات أخرى للكاتب
ملح الأرض: كلمة افتتاح المؤتمر السنوي الثامن
رسالة تعزية لمعالي الاستاذ وليد جنبلاط
العدد الحالي
العدد 18 - ملح الأرض
ان التدهور الذي وصلت اليه الاوضاع الامنية والمعيشية والاقتصادية في البلاد لا يحتمل الاستمرار في سياسة "الحال كالمعتاد" (Business as usual). ولنبدأ بالامن الفالت: المخطوفون العسكريون مهددون بالذبح في كل ساعة، ولا يزال يخطف عسكريون او مواطنون جدد بشكل شبه يومي. المواصلات العامة تتعرض للقطع والاعتصامات امام الادارات العامة اصبح حدثاً شبه يومي للمطالبة باطلاق المخطوفين. وهذا يفاقم ازمة السير الخانقة التي تهدر وقت المواطنين وتؤثر على اعصابهم وتعطل اعمالهم وبالتالي تؤثر سلباً على الانتاجية في كل المرافق العامة والخاصة. ولقد اصبح الشارع " فشة خلق" لكل متضرر او ثائر او مطالب بحق او معترض على ظلم لحق به او بمن يلوذ به. وهذا التصرف بالطبع يقضي على البقية الباقية من هيبة الدولة.

ننتقل الى تفكك الدولة وتدني اداء الادارة العامة بكل فروعها، بما في ذلك القضاء والامن الداخلي. والادهى من ذلك هو ان هذا الاداء المتدني بدأ يصيب القطاع الخاص ايضا، مما يشكل عبئاً ثقيلاً على الانتاجية في الدورة الاقتصادية وعلى مستوى الخدمات حتى في مجالات الرعاية الصحية والقطاع التربوي .

اما المستوى الثالث ، وهو في رأس الاولويات في الظروف الحالية، فهو تسليح وتجهيز الجيش وقوى الامن بأقصى السرعة. لقد تكرّمت المملكة العربية السعودية بتقديم هبتين لدعم الجيش وقوى الامن، الاولى بثلاثة مليارات دولار والثانية بمليار واحد. وبصرف النظر عن اخبار السمسرة التي تتداولها بعض اجهزة الاعلام، فان البطء المريب في التنفيذ يجعل المرء يتساءل الا يدرك المسؤولون الخطر الوجودي الذي يهدد مستقبل ومصير لبنان والذي يوجب السرعة والشفافية في كل عمل يتناول دعم القوى العسكرية لمواجهة الوحش الارهابي الذي يهدد البقاع والشمال وانحاء اخرى في لبنان؟
واذا انتقلنا الى مطالب الموظفين في القطاع العام، نرى ان سياسة "الحال كالمعتاد" لا تزال هي السائدة . مسألة سلسلة الرتب والرواتب ، وهي حقوق مستحقة منذ سنوات نالت وعوداً رسمية ومتعددة باستحقاقها وضرورة انجازها، لا تزال تراوح مكانها بعد ان توحّدت الحركة المطلبية بشكل عابر للطوائف والمذاهب والمشارب السياسية لاول مرة في لبنان.

ولابد من الاقرار بأن الاضرابات والاعتصامات والمظاهرات التي رافقت تحرك هذه الحركة قد نجم عنها بعض الضرر للحركة التجارية، لكن المسبب الاساس لهذا الضرر هو تقصير الحكومات المتعاقبة والمجلس النيابي اجراء الدراسات العلمية الشفافة والوصول الى قرارات تلبي حقوق الموظفين من جهة ولا تشكل عبئاً اضافياً للمالية العامة والاقتصاد الوطني.

ومن السلسلة ننتقل الى مشكلة الكهرباء الغائبة والتي تبتلع مليارات الدولارات كل عام دون ان تلبي حاجة المواطن بكشل واف، فاصبح المواطن يدفع فاتورتين ، واحدة لكهرباء لبنان والثانية الى مشغل المولد الكهربائي. اما مشكلة المياومين واحتلالهم لمبنى ادارة شركة الكهرباء فهي فضيحة الفضائح التي اسقطت "ورقة التين" وكشفت عدم قدرة السلطة لتولي اية مسؤولية عامة بكفاءة. اما مشكلة المياه التي تعزوها الادارة الى شح الامطار والمتساقطات، فانها فشل آخر للدولة التي عجزت حكوماتها على مدى عقود عن وضع خطة لبناء السدود والبحيرات وتنفيذها في مواقيتها. ولا تقل رداءة خدمة الاتصالات الهاتفية وخدمة الانترنت اهمية عن سلسلة التقصير التي لا تنتهي، والناس يعيشون على الوعود التي لا تتحقق ولقد سئموا من تعهدات الوزراء الذين يشبّعون الناس تفاخراً بتقدم قطاع الاتصالات وازدهاره وتفوقه وهو في الواقع في اسفل درجات الرداءة.

واذا القينا نظرة على التقارير الصادرة عن جهات مالية مختصة نجد ان الشأن المالي يعاني من تفاقم الدين العام وتدني الجباية وانخفاض الواردات السياحية. وعندما اعلن عن احتمال وجود اكتشافات نفطية في المياه الاقليمية، تنفس اللبنانيون الصعداء بأن خير الله آت والبحبوحة في الطريق اليهم. ورغم ان عملا جاداً انجز في المرحلة الاعدادية الاولى، الا ان هذا الامر الحيوي لمستقبل لبنان الاقتصادي لم ينل الاهتمام المتواصل والسريع، فنام في ادراج من يملكون المفاتيح، ويقال انه يتخبّط في معمعة توزيع الحصص والمغانم الشائعة في لبنان.

بعد هذه الجولة في مجالات فشل السلطة الحاكمة وتقصيرها في الارتقاء الى مستوى امال واماني الشعب الصابر ، لابد من القاء نظرة جادة على الاستحقاقات الداهمة التي لا تحتمل اي تأجيل:
- استعادة المخطوفين العسكريين من خلال التفاوض المباشر او بالمقايضة دون عقد او مزايدات. وهذا يستدعي انجاز الملف القضائي للمسجونين المتطرفين في سجن رومية، وتجاوز الشكليات التي لا يجوز التمسك بها في الظروف الخطيرة الطارئة، واطلاق الابرياء منهم فوراً.

- انتخاب رئيس للجمهورية "اليوم وليس غداً"، ولو لزم الامر عقد اجتماع نيابي طارئ "يحتجز" فيه النواب في مبنى المجلس الى ان يخرج الدخان الابيض باعلان انتخاب رئيس توافقي وسطي ومعتدل.
- تعديل قانون الانتخاب واجراء انتخابات نيابية بعد انتخاب رئيس للجمهورية.
- معالجة مشكلة النازحين السوريين وتجميعهم بشكل يؤمن ضبط تحركاتهم وتلافي اضرار فوضى انتشارهم دون رقابة صارمة.

- اقرار سلسلة الرتب والرواتب بسرعة وفك اسر شركة الكهرباء بالقوة اذا استدعى الامر، وتوفير الانارة لكل المناطق بالتساوي .

- فرض رقابة على كل الاخبار التي تتناول الشؤون الامنية المتعلقة بتحركات وعمليات الجيش وقوى الامن، والمشاهد التي تحدث ارباكاً وقلقاً وهلعاً لدى المواطنين. ان حرية الاعلام يجب ان تراعي اولاً وقبل اي شيء مصلحة الامن الوطني ومعنويات القوى العسكرية والمواطنين بشكل عام.

- ان مواجهة الهجمة البربرية المتعصبة والفكر الظلامي الخطر يجب ان يستند الى عدة ركائز منها ما هو قصير المدى وهو عسكري واعلامي وتوعوي ، ومنها ما هو للمدى المتوسط وهو التصدي للفكر التكفيري والذي ينتمي الى عصور الظلم والظلام والجهل والعنف. وذلك بفرض تدريس كتاب موحد للتاريخ في جميع المعاهد والتركيز على مادة التربية المدنية لتنشة مواطن مدني لا طائفي ينتمي الى الوطن وليس الى الطائفة او الدين او اي تيار تكفيري او ظلامي. ولابد هنا من الاقرار بأن جزءاً مما يحصل اليوم من اجتياح للفكر التكفيري وانجذاب اعداد غير قليلة من الشباب الى هذا التيار التدميري ، تتحمل مسؤوليته الانظمة الاستبدادية والطائفية المتعصبة في المنطقة العربية وذلك لفشلها في اقامة دول وطنية مدنية يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجيات ويحكمها القانون بالعدل والحزم والمساواة.

ان ذهنية "الحال كالمعتاد" المتخلفة قد مضى زمانها، فالحال اليوم هو للجدّ والشدة والحزم "والمواجهة" بالفعل لا بالقول ، كما هو لتدارك الاخطار المحيطة بالوطن وبمستقبل المواطنين واللجوء الى التدابير التي تؤمن سلامة المواطن فوراً وبدون تردد او مراعاة لاي اعتبارات او ضغوط. ولولا التجربة السيئة لاعلان حالة طوارئ في ظروف سابقة لكان اقتراحنا هو ان تدرس مسألة اعلان حالة الطوارئ في الظروف الخطيرة والمصيرية والوجودية القائمة. ولكن عوامل موضوعية عدة تحول دون اللجوء الى اقتراح هذا الاجراء، لذلك، فان البديل هو الانتقال من ذهنية "الحال كالمعتاد" او "ماشي الحال" الى الاقتناع بأن احوالنا ينطبق عليها موضوعياً وواقعياً حكم الطوارئ وليس الاحكام العادية التي لا تطبق ولا تُحترم من المواطن العادي.

كلمة اخيرة عن الطبقة السياسية الحاكمة. لقد آن اوان رحيلها قبل ان تتعرض اكثر للاذلال والمهانة من معظم المواطنين. وما نشاهد على التلفزيون ونقرأ في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي من تحقير لكرامة الزعماء السياسيين والنواب والمسؤولين القضائيين والاداريين، تكفي لكي يفكر هؤلاء جديا بالرحيل.

ولابد من الاقرار بأن الاضرابات والاعتصامات والمظاهرات التي رافقت تحرك هذه الحركة قد نجم عنها بعض الضرر للحركة التجارية، لكن المسبب الاساس لهذا الضرر هو تقصير الحكومات المتعاقبة والمجلس النيابي اجراء الدراسات العلمية الشفافة والوصول الى قرارات تلبي حقوق الموظفين من جهة ولا تشكل عبئاً اضافياً للمالية العامة والاقتصاد الوطني.
ان ذهنية "الحال كالمعتاد" المتخلفة قد مضى زمانها، فالحال اليوم هو للجدّ والشدة والحزم "والمواجهة" بالفعل لا بالقول ، كما هو لتدارك الاخطار المحيطة بالوطن وبمستقبل المواطنين واللجوء الى التدابير التي تؤمن سلامة المواطن فوراً وبدون تردد او مراعاة لاي اعتبارات او ضغوط.