العدد 41 - كيف تلتقط "فيروس كوفيد 19" بالتحديد
كيف تلتقط "فيروس كوفيد 19" بالتحديد
 27 حزيران 2020

بعد مرور ستة أشهر على بدء أزمة فيروس كورونا ثمة إجماع واسع حول سؤال محوري واحد: كيف يلتقط الناس هذه العدوى؟
ثلاثة عوامل لالتقاطه



يشتقّ الرذاذ الذي يحمل الفيروس من السعال والتكلم والتنفس! يجب أن تصل كمية كافية من الفيروس إليك أو تتراكم كمياته في محيطك مع مرور الوقت قبل التقاط العدوى. كذلك، يجب أن يصل الفيروس إلى المجرى التنفسي ويستعمل مستقبلات الأنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين 2 هناك للدخول إلى الخلايا والتكاثر فيها.

يتعلق عامل مهم في عملية نقل العدوى بقدرة نشاطات بسيطة، مثل التكلم والتنفس، على إنتاج أجزاء تنفسية لها أحجام متنوعة وقادرة على الانتشار في الهواء ونقل العدوى إلى الناس في البيئة المحيطة.

تعتبر الهيئات الصحية حتى الآن الاحتكاك بين المجرى التنفسي وقطرات الرذاذ أبرز طريقة لتناقل فيروس "كوفيد - 19". هذه القطرات السائلة الكبيرة تستطيع نقل الفيروس من شخصٍ إلى آخر إذا وصلت إلى العين أو الأنف أو الفم. لكنها تميل إلى السقوط على الأرض أو على مساحات أخرى سريعاً.

يقول بعض الباحثين إن فيروس كورونا الجديد قد ينتقل بين الناس أيضاً عبر الهباء الجوي، أي القطرات الصغيرة التي تطوف في الهواء لفترة أطول من القطرات الكبيرة. يمكن تنشّق ذلك الهباء مباشرةً.

هذا ما حصل على الأرجح في أحد مطاعم "قوانغتشو" في الصين، حيث نقل شخص يحمل العدوى، ولم يكن قد مَرِض بعد، الفيروس إلى خمسة أشخاص آخرين كانوا يجلسون الى طاولات مجاورة. وفق دراسة حللت الظروف القائمة في ذلك المطعم، كانت التهوئة هناك ضعيفة والمراوح غير شغالة.

لم تخضع هذه الدراسة لتقييم علماء آخرين بعد، لكنها تذكر أن الفيروس الموجود في الهباء الجوي والمشتق من نَفَس المريض أو كلامه يسهل أن يتراكم في الهواء مع مرور الوقت، أو ربما يُسهّل تدفق الهواء القوي من المكيّف على الجدار إعادة تدوير الجزيئات في الهواء.
 
 يشدد المشرف على الدراسة، يوغو لي، وهو أستاذ هندسة في جامعة هونغ كونغ، على أهمية تهوئة الأماكن التي يزورها الناس أو يعملون فيها بدرجة كافية. من خلال تهوئة المساحات بالشكل المناسب، عبر إجبار الهواء على التوجه نحو السقف وضخّه في الخارج مثلاً أو إدخال هواء منعش إلى الغرفة، تتراجع كمية الفيروس في تلك المساحات، ما يُخفّض خطر التقاط العدوى.

يرتبط عامل مؤثر آخر بالتعرض المطوّل للفيروس، أي الاحتكاك بشخص مصاب طوال 15 دقيقة على الأقل من دون استعمال أي معدات واقية والتواجد على أقل من 6 أقدام منه. لكنّ هذه القاعدة تبقى نظرية برأي جون بروكس، كبير الأطباء في القسم المخصص لفيروس "كوفيد-19" في "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها": يمكن التقاط العدوى أحياناً خلال وقتٍ أقصر من ذلك، إذا عطس المصاب في الوجه مباشرةً أو حصل أي شكل آخر من الاحتكاك الذي يترافق مع إنتاج كمية كبيرة من الإفرازات التنفسية. قد يرتفع معدل الهجوم، أي نسبة المصابين في مكان أو زمان محدد، خلال المناسبات المكتظة أو في المنازل المزدحمة ومساحات أخرى يكون فيها الاحتكاك بين الناس مطوّلاً ومباشراً.

يكون 10% من حاملي فيروس "كوفيد - 19" مسؤولين عن نقل العدوى في 80% من الحالات. قد يسجّل البعض حِملاً فيروسياً مرتفعاً أو ينتج كميات إضافية من قطرات الرذاذ أثناء التنفس أو التكلم أو التواجد في مكان محصور مع عدد كبير من الناس.

لكن يقول سكوت داول، نائب مدير قسم معالجة "كوفيد - 19" في مؤسسة بيل وميليندا غيتس: "يبقى خطر انتقال العدوى إلى الآخرين منخفضاً بشكل عام. مقابل كل موقف ترتفع فيه مخاطر تناقل العدوى، تكثر الظروف التي تخلو من الإصابات".

وفق دراسات عدة، يتراوح معدل هجوم "كوفيد - 19" داخل الأُسَر بين 4.6% و19.3%. ترتفع النسبة بين الأزواج وتبلغ 27.8% مقارنةً بأفراد الأسرة الآخرين (17.3%).



 
 يقول الخبراء إن التواجد في الخارج يكون أكثر أماناً بشكل عام لأن الجزيئات الفيروسية تتلاشى بوتيرة أسرع. لكن تطرح القطرات الصغيرة والكبيرة بعض المخاطر في المساحات الخارجية أيضاً إذا كان الاحتكاك بين الناس مطولاً ومقرّباً.

لا أحد يعرف كمية الفيروسات اللازمة لالتقاط العدوى، لكن تطرح دراسات جديدة بعض الأدلة عن هذا الموضوع. في دراسة صغيرة نشرتها مجلة "الطبيعة" حديثاً، عجز الباحثون عن زرع فيروس كورونا الحي حين كانت العينة المأخوذة من حلق المريض أو لعابه تحتوي على أقل من مليون نسخة من الحمض النووي الريبي الفيروسي.

على صعيد آخر، تكون الرحلات الجوية جزءاً من الظروف التي تُسهّل تناقل فيروس كورونا. لذا أصبحت تدابير تسجيل الدخول بلا لمس، والدروع الزجاجية، وقياس الحرارة، والطائرات التي تبقي مقاعدها الوسطى خالية، جزءاً من تجربة الطيران اليوم، وقد تبرز الحاجة إلى تعديلات أخرى مستقبلاً.

يقول كليمينس ويندتنر، أحد المشرفين على الدراسة ورئيس قسم الأمراض المعدية والطب الاستوائي في عيادة "ميونيخ شوابينغ" (مستشفى تعليمي في جامعة "لودويغ ماكسمليان"): "بناءً على تجربتنا، نفترض أن العدوى تنتقل من شخص إلى آخر حين يتجاوز الحِمل الفيروسي عتبة معينة".

إكتشف ويندتنر وزملاؤه عينات من مصابين بالعدوى حيث كانت مستويات الفيروس أعلى بألف مرة، ما قد يفسّر السبب الذي يجعل الفيروس مُعدياً جداً في ظروف محددة. في بعض الحالات، قد ينتقل الفيروس إلى الآخرين حتى لو كانت مستوياته أقل بكثير من تلك الموجودة لدى شخص مريض.
سياسات متبدّلة
بعد فهم تفاصيل التقاط العدوى، بدأت السياسات تتغير مع مرور الأيام. إذا كانت نتيجة الفحص إيجابية، يقضي التدبير النموذجي بحجر الذات في المنزل. تقدم المدن في بعض البلدان مساكن موّقتة مجاناً وخدمات اجتماعية تسمح للمصابين بعزل أنفسهم طوعاً لتجنب نقل العدوى إلى أفراد عائلاتهم.

دعت "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" الأميركيين حديثاً إلى متابعة استعمال أقنعة الوجه والحفاظ على مسافة آمنة من الآخرين تزامناً مع إعادة فتح الولايات. يقول جاي باتلر، مدير قسم "كوفيد-19" في المركز: "كلما كانت المسافة قريبة بين الناس أثناء تواصلهم، يطول التفاعل بين مختلف الأطراف ويزيد عدد المشاركين في الحوار ويرتفع خطر انتشار الفيروس".
 
 إذا بدأت حالات "كوفيد - 19" تزيد بدرجة كبيرة بعد فتح مدن العالم، قد تبرز الحاجة مجدداً إلى بذل جهود مضاعفة لكبح الوباء، بما يشبه التدابير المطبّقة في آذار الماضي. على كل بلد أن يتخذ هذا القرار بحسب ظروفه.

أصدرت "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" توجيهات لأرباب العمل في ظل الاستعداد لعودة الموظفين والعمال، فشددت على ضرورة وضع أقنعة الوجه، والحد من استعمال وسائل النقل العام والمصاعد لتخفيف مخاطر التعرض للفيروس، ومنع العناق والمصافحة. كذلك، دعت الهيئة الصحية إلى استبدال وجبات الطعام ومبرّدات المياه وأجهزة صنع القهوة الجماعية بوجبات فردية ومعبأة مسبقاً، فضلاً عن وضع فواصل بلاستيكية بين المكاتب إذا كانت المسافة بينها أقل من 6 أقدام.

لكن لا تتطرق التوجيهات الراهنة في مكان العمل إلى طريقة انتشار الهباء الجوي أو الجزيئات الصغيرة داخل الغرف. تقول ليزا بروسو، مستشارة في مجال الحماية التنفسية في مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية في جامعة "مينيسوتا": "تناقل الفيروس عبر الهباء الجوي ظاهرة مخيفة. يصعب التحكم بهذا الشكل من العدوى لأن الفيروس غير مرئي. من الضروري إذاً أن يبقى المصابون في منازلهم، لكن قد يصعب الالتزام بهذا التدبير بسبب متطلبات الاختبار. لذا قد تبرز الحاجة أيضاً إلى وضع بروتوكولات إضافية لمنع انتشار الفيروس، منها تطبيق التباعد الاجتماعي في أماكن العمل وتوفير الكمامات وغيرها من معدات الوقاية الشخصية".

يظن بعض العلماء أن نقل العدوى عن طريق الهباء الجوي ممكن طبعاً، لكنه لا يفسّر معظم الإصابات. ويبدو أن الفيروس لا ينتشر على نطاق واسع عبر الهواء أصلاً.

يضيف بروكس: "لو كان هذا الفيروس ينتقل بين الناس مثل الحصبة أو السل، حيث تقبع العدوى في الجو لوقتٍ طويل أو تنتشر في مساحات جوية واسعة أو عبر أنظمة تكييف الهواء، كان عدد المصابين ليرتفع بدرجة أكبر بكثير".

من خلال تحليل عينات من الهواء في المناطق المزدحمة، قد يحدد أرباب العمل الأشخاص المحتاجين إلى الخضوع للاختبار. يقول دونالد ميلتون، أستاذ في الصحة البيئية والمهنية في كلية الصحة العامة التابعة لجامعة "ماريلاند": "عند رصد الفيروس في قاعة الأكل في وقت الغداء يوم الإثنين مثلاً، يمكن التواصل مع الحاضرين في ذلك الوقت وإبلاغهم بضرورة خضوعهم للاختبار".

يتلقى إيرين بروماج، أستاذ مساعد في علم الأحياء في جامعة "ماساتشوستس دارتموث"، أسئلة كثيرة من الشركات والمحاكم وحتى المعالجين النفسيين بعدما أحدثت مقالته "المخاطر: إعرفوها وتجنبوها!" ضجة واسعة. تحاول المحاكم اكتشاف أفضل الطرق لاستئناف جلساتها بكل أمان لأن أعضاء هيئات المحلفين يجلسون على مسافة قريبة من بعضهم ويتكلم معهم المحامون عن قرب. يريد المعالجون من جهتهم أن ينظموا جلسات مباشرة مع المرضى مجدداً، وتحاول الشركات تحديد أنسب طرق التنظيف والوقاية من الأمراض.
 
 من المفيد أن تُمسَح المساحات بانتظام وتُستعمَل معقمات اليد في أماكن العمل، لكن تبرز أكبر المخاطر نتيجة التفاعلات ضمن مسافات ضيقة وجمع أعداد كبيرة من الناس في مناطق مغلقة لفترات طويلة. تطرح المساحات التي يلمسها الناس بشكلٍ متكرر، مثل قبضة الباب، المخاطر أيضاً لكن يختفي الفيروس بسرعة عن مساحات أخرى مثل الصناديق الكرتونية. التنظيف مهم إذاً، لكن يجب ألا يصرف الناس نصف ميزانيتهم عليه إذا كان مفعوله محدوداً. تشمل شركة الأدوية Eli Lilly هيئة استشارية طبية تُراجع أحدث المعطيات عن طريقة نقل الفيروس لطرح توصيات تسمح بإعادة موظفي الشركة إلى العمل بكل أمان.

للدخول إلى منشآت الإنتاج (أصبح بعضها قيد التشغيل اليوم)، يجب أن يرتدي العلماء طبقات متعددة من معدات الوقاية الشخصية، بما في ذلك القفازات والنظارات الواقية والمآزر التي تغطي الجسم كله. هذه التدابير ليست غريبة في شركات صنع الأدوية، حيث تتم تصفية الهواء وتكثر تدابير الحماية.

لكن يشعر دانيال سكوفرونسكي، كبير العلماء في شركة Eli Lilly، بالقلق من قاعات الاستراحة وغرف تبديل الملابس ونقاط التفتيش الأمنية حيث يرتفع مستوى التفاعل بين الناس. في هذه المساحات، فرضت الشركة تدابير التباعد الاجتماعي عبر حصر دوام العمل وتقليص أعداد الحاضرين في الوقت نفسه. يَقِلّ عدد الكافتيريا المفتوحة هناك، وتُوزع القاعات المفتوحة المقاعد بما يضمن احترام قواعد التباعد. في الحمّامات، لا يمكن استعمال إلا نصف أعداد الحجرات للحد من ازدحام الناس. في النهاية، يضيف سكوفرونسكي: "لن نصبح أكثر تساهلاً من التوجيهات الرسمية يوماً، بل إننا نستنتج في معظم الحالات أننا أكثر صرامة منها لأننا نحتسب الأعداد ونراقب التطورات".