العدد 16 - الحضارة الحقيقية
الحضارة الحقيقية
رداً على سؤال: ما هي الحضارة الحقيقية؟ قال غاندي: "إن الحضارة هي الطريقة في الحياة التي تجعل الانسان يدرك اين يكمن واجبه. والتقيد بالمبادئ الأخلاقية معناه السيطرة على النفس، وكبح جماح الرغبات، وهكذا نتعلم كيف نعرف أنفسنا. وفي "الغوجراتي" (إحدى لغات الهند)، كلمت حضارة تعني:"السيدة الحسنة"!
وإذا فهمنا الحضارة هكذا، فلن نحتاج الى تعلم شيء جديد مهما كان نوعه، كما يقول كثيرون من المفكرين. نحن نعلم بأن العقل جشع: كلما تعلّم، كلما طلب الاستزادة. وهكذا يبقى جائعاً على الدوام. والشيء ذاته بالنسبة لأهوائنا: كلما استجبنا الى مطالبها، كلما طلبت الاستزادة. ولذلك وضع أجدادنا حدوداً لما يمكن عمله ويسمح به. لقد فهموا بان السعادة مفرطة بحالتنا النفسية قبل كل شيء. ليس الثراء أو الفقر هو ما يجعلنا سعداء أو تعساء، بل اننا كثيراً ما نلاحظ العكس ونجد ان الملايين قد تكون من اسباب التعاسة. ويظهر ان أجدادنا قد لاحظوا ذلك فطلبوا الينا العزوف عن الملذات والترف. وما زلنا حتى اليوم نستخدم عربات مشابهة لما كان يستخدمه أجدادنا، ونعيش في أكواخ كتلك التي كانوا يبننونها، واحتفظنا بطريقة التعليم التي فلسفوها لنا. ونحن لا نعرف المزاحمة التي تفسد كل شي، بل كل منا يؤدي عمله بحرية ويتناول أجراً معقولاً لذلك. وليس هذا لأننا نجهل اختراع الآلات، بل لأن أجدادنا كانوا يعلمون بأننا اذا سرنا في تلك الطريق نكون قد سرنا في طريق العبودية، ونخسر قيمتنا الأخلاقية. لذلك، وبعد تفكير طويل، قرروا انه يجب ان لا نفعل الا ما تتيحه لنا أطرافنا، وأيقنوا ان سعادتنا الحقيقية وسلامتنا منوطان بحسن استخدامنا لأيدينا ولأرجلنا. ثم فكروا أكثر فلاحظوا ان المدن ما هي الّا عقبات وأشراك لا يستطيع ساكنها ان يحصل على شيء اسمه السعادة. ففي المدينة تأخذ الرذيلة جذورها بأشكال عصابات اللصوص والنشالين والعاهرات، وفيها يسرق الغني الفقير ويزيده فقراً، ولذلك فقد اكتفوا بالسكن في القرى. ولاحظوا ان الملوك وسيوفهم لا يوازون الاسلحة الأخلاقية، واعتبروا الملوك أقل شأناً وقدراً من أي فقير. وشعب يرتكز على أنظمة ودساتير كهذه قادر ان يفيد الآخرين كثيراً، ويقدم لهم الكثير. وهو غير مستعد لأن يتلقى دروساً من الخارج ...
إنك تدرك جيداً الآن ماذا أقصد بقولي: الحضارة الحقيقية.

(من كتاب لغاندي: حضارتهم وخلاصنا. تعريب: نجدة هاجر وسعيد الغز (صفحة 94 – 97).
قال غاندي: "إن الحضارة هي الطريقة في الحياة التي تجعل الانسان يدرك اين يكمن واجبه. والتقيد بالمبادئ الأخلاقية معناه السيطرة على النفس، وكبح جماح الرغبات، وهكذا نتعلم كيف نعرف أنفسنا.