العدد 40 - أوقف محاولات تجميل دماغك
أوقف محاولات تجميل دماغك
 في القرن العشرين، كان "المستقبل" يعني انتشار سيارات طائرة وحبوب غذائية. أما اليوم، فيتمحور المستقبل المرتقب حول تحميل البيانات الدماغية.

يعني هذا المفهوم أن نتمكن يوماً من تحويل جميع ذكرياتنا وأفكارنا إلى برمجيات فائقة التقدم. حين يستطيع الدماغ البشري أن يعمل على جهاز كمبيوتر، أو ربما على روبوت عملاق، سنتمكن من تجنب الموت إلى الأبد! قد تبدو هذه الفكرة أفضل من السيارة الطائرة، لكنّ الواقع مختلف. سرعان ما تتحول البيانات المُحَمّلة إلى كابوس حقيقي إذا أصبحت أمراً واقعاً!

لا تُعتبر الأوهام المتعلقة بتحميل محتوى الأدمغة جديدة، فقد كتب ويليام غيبسون عنها منذ 35 سنة في روايته الكلاسيكية الخيالية Neuromancer (كاتب الرومانسية العصبية)، حيث يستطيع الناس تحميل أفكارهم في الفضاء السيبراني. ومنذ مئة سنة تقريباً، في العام 1923، نشر إدوين فنسنت أودل رواية بعنوانThe Clockwork Man (رجل الساعات)، حيث يذكر أن الناس في المستقبل سيعيشون داخل عالم افتراضي مبني على آلية عمل الساعة.

لكن في العقود الأخيرة، بدأ العلماء والفلاسفة أيضاً يهتمون جدياً بفكرة الاحتفاظ بنسخ رقمية من الأدمغة. تهدف مشاريع بحثية ضخمة، على غرار "مشروع الدماغ البشري"، إلى "محاكاة" الدماغ عبر برمجيات مبتكرة. يستكشف أندرز ساندبيرغ وزملاؤه في "معهد مستقبل البشرية" في جامعة "أوكسفورد" أفضل الوسائل التي تضمن تعامل المجتمعات المستقبلية مع العقول المُحمّلة بطريقة أخلاقية.تتعدد التطبيقات الطبية لتجارب محاكاة الدماغ. يستطيع الأطباء أن يستعملوها لتصنيف الأمراض أو اختبار العلاجات، أو ربما يستكشفها أطباء الأعصاب لفهم كيفية انبثاق الأفكار من النشاط الخلوي.

لكن لا يريد البعض، من أمثال مدير قسم الهندسة في "غوغل"، راي كورزويل، تحقيق هذا الهدف. فقد قال في مناسبات متعددة إنه يبحث عن تقنية تحميل تجعله خالداً!

لنأخذ فكرة كورزويل على محمل الجد ونفترض أن شخصاً اسمه "بوريس" سيتمكن في نهاية المطاف من مسح دماغه الخاص وتحويله إلى بنية قابلة للتشغيل في أجهزة مُصادق عليها.

يستطيع دماغ "بوريس" الآن أن يعيش إلى الأبد داخل عالم افتراضي معين، بما يشبه أجواء لعبة Minecraft، فتبدو له هذه البيئة واقعاً ملموساً. بعبارة أخرى، يتوقف صمود عالمه كله على أشخاص أو شركات تُشغّل أو تدير خوادم مثل "خدمات أمازون ويب".

سيخضع "بوريس" لتحديثات في برمجياته لتعديل أفكاره، وقد يعجز عن تذكّر فيلمه المفضل ما لم يدفع رسوم الترخيص! لا تقف المشاكل عند هذا الحد، إذ يستطيع أي شخص أن ينسخ بيانات "بوريس" ويستعملها لإنشاء جيشَين للتقاتل على فرض السيطرة. أو ربما يتحقق ما توقعه إيان بانكس في روايته Surface Detail (التفصيل السطحي) في العام 2010، فينشئ نظام سياسي شرير جحيماً افتراضياً مليئاً بالشياطين لتعذيب دماغ "بوريس" تكفيراً عن خطاياه.
 
 من المتوقع أن تتلاحق أحداث كثيرة أخرى إذا أصبح دماغ "بوريس" عالقاً داخل روبوت. قد تُعاد برمجته حينها كعامل لتنظيف الشوارع، فيضطر لتنظيف مزاريب ليفربول طوال أسابيع، من دون أخذ أي قسط من الراحة، أو يصبح جزءاً من عمّال خط التجميع في مصنع لبناء سيارات "تيسلا".

بعد هذه التعديلات كلها، هل يمكن اعتبار "بوريس" الشخص نفسه؟ قد يبقى جزء منه "حيّاً" في البرنامج لوقتٍ طويل، لكن هل هو امتداد لـ"بوريس" كشخصٍ بحد ذاته، أم كيان مختلف بالكامل يحمل عدداً من أفكار "بوريس" وذكرياته؟ وما هي الحقوق التي يتمتع بها دماغ "بوريس" المُحَمّل بالبيانات؟ قد يصبح مُلكاً لصاحب الخادم الذي يشغّله.

هذه العملية لن تسمح لـ"بوريس" بالعيش إلى الأبد، بل إنه سيموت مع جسده تزامناً مع تخزين نسخة من دماغه على أداة تكنولوجية. تلك التكنولوجيا ستجعل "بوريس" الافتراضي يواجه جميع المشاكل التي تصيب أجهزتنا الخليوية. لكن بدل وقوع حوادث غريبة بسبب أداة التصحيح التلقائي في الرسائل النصية، ستحصل حوادث مشابهة داخل دماغ "بوريس". ولا ننسى أن التكنولوجيا تبقى قابلة للانهيار والزوال، وبالتالي لا شيء يضمن الخلود. ما الذي يدفع أي شخص إذاً إلى تحميل أفكاره؟

قد يتخذ البعض هذا القرار على أمل إنهاء أسوأ أشكال المعاناة الإنسانية بهذه الطريقة. يَصِف كوري دوكتورو في روايته Walkaway (الابتعاد) في العام 2017 مستقبلاً تحتدم فيه حرب وحشية بين الأغنياء والمحرومين. لكن حين تبتكر مجموعة من العلماء السريين أول مخزون دماغي مُحَمَّل، يزيد احتمال أن تنتهي الحرب أخيراً لأن الموت لم يعد يطرح أي تهديد. كذلك، تُعتبر البيانات المُحَمّلة حلاً للحرب في كتاب The Clockwork Man. في هذه القصة، تُحمَّل بيانات الناس في واقعٍ مبني على آلية عمل الساعة لأنهم أصروا على محاولة تدمير العالم الحقيقي بصراعهم اللامتناهي.

أخيراً، قد تُرسّخ البيانات المُحمّلة حلماً بإرساء السلام، لكنها تُهددنا أيضاً بمستقبل قادر على التلاعب بعقولنا بسهولة تضاهي نظام الحلول الحسابية الذي يستعمله "فيسبوك". على غرار السيارة الطائرة، سيكون تحميل البيانات الدماغية مفهوماً متقناً لكنه سيُسبّب المشاكل بدل حلّها!