العدد 16 - السلم الحقيقي كما رآه كمال جنبلاط
نافذة على فكر كمال جنبلاط
السلم الحقيقي كما رآه كمال جنبلاط
من الأرشيف:
السلم الحقيقي كما رآه كمال جنبلاط

"إن السلم الحقيقي، السلم الشامل، لن يتمّ على وجه الأرض بصورة نهائية الا في نظام للحياة – لحياة الافراد والشعوب – تتوفّر فيه ثلاثة شروط اساسية:
1- تنظيم المجتمع والاقتصاد على اساس وضع يأخذ في الاعتبار العدل التّام والأخوّة والمساواة الوظائفية من جهة، والاختبار البشري المتراكم وحقيقة الانسان ونزعاته وتطلعاته وتطلباته، لا بعض النظريات العقلانية الخيالية التي أكثر ما تشكّل نوعاً خاصاً من الفلسفات الفكريّة، أو ضرباً من تسلسلات العمليّات الجبرية التي لها مقدّماتها العقلانية، ولكن لا ارتباط بينها والواقع – وهذه هي حال الماركسية بصورة خاصة، من جهة ثانية.

2- انتشار الروحانية، وسيطرة الروحانية الحقيقية ومبادئها الاساسية التي تتفق على مضمونها جميع الاديان، وزوال التفرقات والتعصبات الطائفية التي هي من صنع البشر وبعض رجال الدين، لا من صنع الله. فالروحانية تجمع في نمو قوى الروح الشرط الحقيقي للسلم. ولك شأنك في اعتبار الروح خالدة او غير خالدة، منفصلة عن المادّة ومتصلة بالمادة؛ فهذا موضوع ميتافيزيقي لا شأن لنا به، ولكن المهم ان تعتقد – وهو الواقع- ان لقوى الخير والعشق والجمال أثرها وشأنها في تطور الافراد والجماعات وفي حياتهم، كما للمادة شأنها. فالكائن البشري ليس هو حيوان اقتصادي كما تتصوره الماركسية المادية والرأسمالية المادية على السواء ... ولكن الانسان كان له من مظاهر الحرية والارادة والفهم والوعي [ما يجعله] مختاراً لا عبداً. فكل عقيدة محض مادية لا يمكنها الا ان تتحوّل – بحكم طبيعتها، وبحكم جوهر مقدماتها – الى نظام يسوده الطغيان والارهاق، لا الحرية. ولا حرية الا في السيادة التّامة على الجسد، وعلى الروح، وفي انسجام الانسان باختياره الداخلي، وبوعيه التام لخير عمله في الانظمة. والروحانية الوجودية الصحيحة [هي] مفتاح هذه السيادة.

3- بطلان الازدواجية: فكل عمل بشري يقتضي حكمة savoir faire ولا يمكن الوصول الى الحكمة الا ببطلان الازدواجية. السلم ضروري لتكملة تطوير الانظمة العالمية القائمة (الشيوعية الحالية والرأسمالية) نحو تحقيق ما تصبو اليه الشعوب والافراد من أنظمة شعبية ديموقراطية حقيقية تتوافق فيها مصلحة الفرد وحرية الفرد مع مصلحة الجماعة وتوجيه الجماعة، وتتضافر فيها قوى المادة والروح. فلا يهمل فيه التاريخ على اعتباره رأسمالياً، فنقع في مجرى التخيلات والاحلام المحض عقلانية، ونبتعد عن واقع الانسان وواقع الحياة وحقيقة البورجوازية والنظريات النازية والفاشية على اعتبارها محاولات – على حدّتها وتطرّفها، والنقص في نظرتها الى الوجود والانسان – كان يتطلبها التطور التاريخي الذي يسيّر تمددنا حتى الساعة [بعيداّ عن] أي تطرف.
ان سلمنا الحقيقي، هو سلم الشعوب، سلم الحرية، سلم الانسجام التام، والتوافق التام، والتحقق التام لقوى الروح والمادة.
السلم الحقيقي ليس هو بسلم الخوف. وفي الواقع، ان الخوف مصدره مركّب النقص، إما في الرجل، وإما في الشعب، وإما في العقيدة.
دعوا الخوف، ودعوا أصنام الأحزاب العقلانية وصنمية الآلة، وصنمية الأنظمة، وصنمية العقائد الدينية والاخلاق ذاتها – كما هي الحال في المذاهب الدينية – وصنمية الرجال ولو كانوا هتلر ولينين وستالين – كفانا في عالم اليوم، صنمية، واذا جازت، فلا تجوز الا صنمية واحدة: صنمية الايمان بالتطور اللامتناهي، الايمان بالحياة، الايمان بامكانيات الانسان المادية والمعنوية، صنمية الايمان بالوجود.
(من مخطوط بخط كمال جنبلاط غير مؤرّخ ورد في الصفحة 7-16 من كتاب له "نافذة على العالم")
ان سلمنا الحقيقي، هو سلم الشعوب، سلم الحرية، سلم الانسجام التام، والتوافق التام، والتحقق التام لقوى الروح والمادة.
السلم الحقيقي ليس هو بسلم الخوف. وفي الواقع، ان الخوف مصدره مركّب النقص، إما في الرجل، وإما في الشعب، وإما في العقيدة.