العدد 39 - مقال سياسي: الدولة المدنية في لبنان: امل منشود وطريق مسدود
مقال سياسي: الدولة المدنية في لبنان: امل منشود وطريق مسدود
 في 04/07/1959، مع انطلاقة العهد الشهابي الذي رأى فيه المعلم كمال جنبلاط فرصة لتحديث لبنان واصلاح نظامه، واقامة دولة المواطنة، وفي مقالة لجريدة الانباء، خاطب المعلم كمال جنبلاط سيد العهد آنذاك بهذه الكلمات: "اذا شاء هذا العهد ان ينجز في حقل الاصلاح الجوهري خطوة ايجابية، تذكر له، فما عليه الا ان يلبّي رغبة جماهير اللبنانيين المحرومين، حتى الساعة، من الحد الادنى لمطالب الحياة الكريمة، فلنلغ من افكارنا ومشاريعنا الأوطان الطائفية، ولنؤسس وطناً ودولة مدنية نستطيع فعلاً ان نقول عنها انها وطننا ودولتنا بما لهذه الكلمات من معنى."
واليوم، بعد خمسين سنة على دعوة كمال جنبلاط للعهد آنذاك، يبدو اننا فشلنا في بناء الدولة المدنية الموعودة، الأمر الذي ادى الى انفجار الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية، ونشوب انتفاضة شعبية مناضلة سلمياً، ميزتها شموليتها، وتخطيها القيود الطائفية والمذهبية والحزبية والجندرية والطبقية والمناطقية. تطالب اركان السلطة بالاستجابة للمطالب الشعبية، ونقل لبنان من فدرالية الطوائف الى دولة المواطنة المدنية، "كم يبدو كلام كمال جنبلاط وكأنه موجهاً الى سيد العهد الحالي والى سائر المسؤولين عن الدولة اللبنانية، للتخلي عن الافكار والمشاريع الطائفية والمذهبية، والسعي الفعلي لاقامة الدولة المدنية."
ما يشجعنا على ايراد هذه المقارنة ما يردده الجميع اليوم من كلام معسول يدعو لإقامة الدولة المدنية في لبنان، وخاصة ان المسؤولين، من رئاسة الجمهورية الى رئاسة المجلس النيابي ، الى العديد من الوزراء والنواب وقادة الرأي والناشطين الميدانيين.
بداية لابد من التوضيح، وتسليط الضوء على ما تعنيه الدولة المدنية ، قبل الحديث عما ينتظر مصيرها في لبنان.
- المفهوم :
الدولة المدنية هي اتحاد أفراد يعيشون في مجتمعٍ يخضع لمنظومةٍ من القوانين، مع وجود قضاء يُرسي مبادئ العدالة في إطار عقدٍ اجتماعي تتوافق فيه إرادات جميع أو أغلب مكوّنات وقوى المجتمع، والمدنية هنا تتأتّى من كون الإنسان كائناً مدنياً بطبعه، وبالتالي فإن القواعد التي تنظّم حياته وعلاقاته ستكون مدنية، وهو مفهوم أخذ به أرسطو وإبن سينا وإبن خلدون ومونتسكيو وغيرهم.

 
 - تعريف الدولة المدنية:
تُعرف الدولة المدنية على أنّها الدولة التي تحمي جميع أعضاء المجتمع وتحافظ عليهم بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والفكرية، كما تعني اتحاد وتعاون الأفراد الذي يعيشون داخل مجتمع يسير وفقاً لنظام معين من القوانين، ويقتضي ذلك وجود قضاء عادل يطبق تلك القوانين، إذ إنّ من الشروط الأساسية لقيام هذه الدولة هو ألا يتعرض أي فرد وشخص فيها لانتهاك أي من حقوقه من قبل طرف آخر أو فرد آخر، فهناك سلطة عليا في الدولة تُعرف بسلطة الدولة، والتي يلجأ عادةً إليها الأفراد حيمنا تهدد حقوقهم بالانتهاك.

- مبادئ الدولة المدنية:
للدولة المدنية عدة مبادئ منها:
- عدم تأسس هذه الدولة بمزج الدين بالسياسة، وعدم وقوفها ضد الدين أو ترفضه، حيث أنّ الدين يبقى عاملاً مهماً فيها في خلق الطاقة للتقدم والإنجاز والعمل، وتعتبره يساهم في بناء الطاقة، إلا أنّها ترفض استخدامه لتحقيق الأهداف السياسية.
- المواطنة، والذي يُعنى به أنّ الأفراد في المجتمع لا يُعرفون بدينهم، أو مهنتهم، أو مالهم، أو إقليمهم، أو سلطتهم، إنّما يُعرفون بشكل قانوني اجتماعي على أنّهم مواطنون، أي أعضاء داخل المجتمع لهم حقوق، كما عليهم واجبات، ويتساوون مع بعضهم فيها.
- تؤسس الدولة المدنية بناءً على نظام مدني مكوّن من علاقات قائمة على قبول الآخر، والتسامح، والسلام، إضافةً إلى المساواة في الواجبات والحقوق.
- الثقة في كلٍ من عمليات التبادل والتعاقد المختلفة، فهذه القيم النبيلة هي التي تكون ما تُعرف بالثقافة المدنية، والتي تتأسس بناءً على مبدأ يقتضي الاتفاق ووجود العديد من القواعد التي يمكن اعتبارها على أنها خطوطاً حمراء لا يسمح تجاوزها.
- الديمقراطية، وهي المبدأ الذي يمنع أخذ الدولة او احتكارها غصباً من قبل فرد أو عائلة أو نخبة.

- وظائف الدولة المدنية:
- حتى تتميز الدولة بصفة المدنية يقع على عاتقها عدة وظائف، منها:
- خلق فرص عمل لمواطنيها، إضافة إلى تأمين العيش الكريم لهم.
- بناء مجتمع نموذجي اقتصادي. توفير الاستقرار الأمني والنفسي لجميع المواطنين.
- تهيئة سبل وأساليب التعبير الصريح عن حرية الرأي بمختلف الطرق، ويكون ذلك تبعاً لضوابط وبنود قانونية ورسمية محددة.
- بناء المؤسسات والمراكز التعليمية وتوفير مستلزماتها.
- بناء المؤسسات والمراكز الصحية، وتوفير أحدث الوسائل التقنية فيها لمقاومة جميع الأوبئة والأمراض.
- بناء مؤسسات ومنظمات تساهم في المحافظة على البيئة.
 
 والآن ، لنلق نظرة على وقائع الامور في لبنان، ولنكشف عن العقبات الكثيرة التي تحول دون قيام دولة مدنية في لبنان، في المدى المنظور :
ففي لبنان اليوم، تناقض فاضح بين الدعوات النظرية الكلامية للتأسيس لاقامة الدولة المدنية، وبين ما نشهده على ارض الواقع من تفاقم الانقسامات الطائفية والمذهبية والسياسية ، ومن تقدم هذه الاعتبارات على الاعتبارات الوطنية الضرورية لقيام الدولة المدنية.
ولعل من ابرز مظاهر هذه العقبات تزايد العصبية الدينية التي بات من الصعب جداً تجاوزها رغم ما نسمعه من كلام معسول عن الوحدة الوطنية والعيش المشترك ووجود قوانين متعددة للأحوال الشخصية بعدد الطوائف المتواجدة في لبنان ، ومما نعة القيمين على هذه الطوائف من اقدام السلطة على وضع قانون مدني للأحوال الشخصية حتى ولو جاء بصيغة اختيارية بل اكثر من ذلك التصدي للمحاولات المحدودة للزواج المدني ومنع عقده وتسجيله في لبنان.
وماذا نقول عن تناتش المسؤولين للتعيينات والترقيات في مختلف الوظائف على خلفيات طائفية ومذهبية وحزبية وزبائنية، ضاربين عرض الحائط بالكفاءة ونظافة الكف التي يجب ان تتوفر في طالب الوظيفة، ولاغين لدور المؤسسات التي ترعى مهام الاعداد والتدريب والمراقبة والمحاسبة التي انشئت في العهد الشهابي كمقدمة لإقامة دولة المواطنة المدنية.
وفي الخلاصة، قبل التوجه الى الدولة المدنية ، والحديث عن الغاء الطائفية السياسية ، يجب الارتقاء بالتفكير المدني على مستوى النفوس من خلال الاعداد التربوي المدني، وتجاوز القيود الدينية التعصبية الداخلية، والتخلي عن الولاءات الطائفية والمذهبية للمحاور الاقليمية، وتكوين قناعة ارادية ذاتية بالتوجه نحو قبول قيام مجتمع مدني يحتضن الدولة المدنية ويضمن نجاحها.