العدد 38 - توجهات لتطوير "نسخة رقمية بشرية" تطمح الى الخلود
توجهات لتطوير "نسخة رقمية بشرية" تطمح الى الخلود
 - نسخة رقمية بشرية

مع غياب الضمانات على نجاح العلم في خداع الموت عبر التغلّب على مراحل التقدّم في السنّ والأمراض، بواسطة التجارب العلمية، علينا أنّ نحوّل اتجاه العلوم والتكنولوجيا لإنتاج «نسخة غير فانية من البشر». ومثلما يؤمن كثير من العلماء بمفهوم «ما بعد الإنسانية» Transhumanism، فإني أعتقد أنّه علينا أن نعتمد على وسائل غير مرتبطة باللحم والدمّ، مثل الروبوتات والذكاء الصناعي وغيرها من الوسائل التقنية، لابتكار نسخة رقمية من البشر قادرة على الاستمرار على قيد الحياة للأبد.

هذا النقاش لم يعد نظرياً مع وجود جامعات وشركات تقنية تعمل في تطوير تقنيات قد تنجح يوماً ما في وصل دماغنا بالإنترنت مباشرة. ونحن اليوم نحتاج وبسرعة إلى إجابات حاسمة على أسئلة تتعلّق بطبيعة النسخ الرقمية المستقبلية من البشر.

قدّمت لنا علوم القرن الحادي والعشرين طرقاً كثيرة لصناعة نسخ مقلّدة من أنفسنا كالاستنساخ (ولكنّه مخالف للقانون)، وزراعة ذاكرة موجودة مسبقاً في أدمغة البشر؛ وفي وقت قريب، يجب أن نصبح قادرين على تحميل بيانات من وعينا في كومبيوترات مركزية، فضلاً عن أنّ مهندسين من سيليكون فالي يعملون حالياً على زراعات دماغية تتيح للآلات فهم الفكر البشري في الوقت الحقيقي.

ولكنّ هل يمكن لتطوير نسخة من الإنسان أن تصبح الإنسان نفسه؟ لا يتوقّف الجدال في الدوائر العلمية حول كمال النسخة البشرية، أي تطوير كيان يحتوي على كمّ المعلومات أو البيانات نفسه الموجود في الإنسان الحقيقي، وما إذا ستكون هذه النسخة هي الشخص نفسه، أو نسخة ثانوية منه.

يعتقد الكثيرون أن النسخة هي كيان ثانوي وأقلّ شأناً مصمم على يد مبتكر، بينما يرى آخرون أنّ فائدة هذه النسخة مرتبطة بإمكانيات المبتكرين في استخدامها، كتنمية جسد واستخدام أعضائه لأسباب طبية. ثمّ، يوجد بشر مثلي، يؤمنون أن النسخة تشبهني كثيراً، تماماً كما أشبهها.
 
 - العقل مقابل المادّة

حتى اليوم، لم ينجح أحد في صناعة نسخة مثالية عن البشر، وأقرب نتيجة حصلنا عليها كانت بالاستنساخ. ولكن كون هذه التقنية الأخيرة قادرة على نسخ بيولوجيا الإنسان فقط دون أفكاره أو ذاكرته، يعني أنّ مواصفات النسخة المستنسخة وتجاربها وذكرياتها ستكون مختلفة عن الشخص الأصلي، على اعتبار أنّ تجاربه وظروفه المكتسبة ستكون مختلفة.

أمّا إذا نجحنا خلال عشرين عاما في تطوير تقنية تامّة تتيح لنا تحميل دماغنا على آلة، سيشبه هذا الكيان الناشئ على السحابة الإلكترونية - الإنسان الأصلي إلى درجة كبيرة.

كيف لنا أن ننكر الوعي الذي تتمتع به النسخة الرقمية من البشر إن كنّا غير قادرين على شرح وعينا؟ فالنسخة المثالية من البشر يجب أن تملك الأفكار والمشاعر والرؤى والأخلاق والقيم نفسها، والأهم، أن تملك الإحساس بالذات، دون أن تأتي بالضرورة بالشكل نفسه.

إن النسخة الرقمية المثالية قد تكون عبارة عن برنامج كومبيوتر مصمم ليصدّق أنّه، وكما النموذج البشري الأصلي، متزوج وله ثلاثة أولاد. كما يمكن للنسخة الرقمية من شخص ما أن تأتي على شكل جزيئات دون ذريّة تسبح في الفضاء بواسطة تقنية لا تزال تنتظر تطويرها، ولا تزال تصدّق أنها بشرية.

ولكنّ ذكرياتنا تبدو نفسها، ووظيفتنا نفسها، والمكان الذي نعيش فيه نفسه. وفي الحقيقة، ولأسباب عملية، كلّ شيء سيبدو مشابهاً في عيني الناظر. والأمر نفسه ينطبق على النسخة الرقمية من الإنسان. ففي حال كنا عاجزين عن شرح وعينا على الصعيد الفكري، كيف يمكننا نفي وعي نسختنا الرقمية؟ نملك ما نظنّ ونأمل أنّها الإرادة الحرّة، ولكنّها محدودة بكيلو ونصف الكيلو من اللحم نحملها على الكتفين، تعتبر صغيرة جداً في كون عمره تريليونات من السنين الضوئية.

يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في عبارته الشهيرة «أنا أفكّر، إذن أنا موجود». ولكنّ مجال الذكاء الصناعي ألهم علماء المستقبل، مثلي، بعبارة أخرى أكثر واقعية وهي «أؤمن بأنني أفكّر، إذن أنا موجود».

ونقولها لأننا دون فهمنا وإيماننا بأننا نفكّر، لن يكون هناك «أنا» أو أي نسخة منطقية عنّا قابلة للشرح بأي وسيلة. وهذه المعضلة سيواجهها أي مخلوق حيّ، بشرياً كان أو رقمياً.
 
 - عيشٌ أبدي

هذا الأمر كافٍ بالنسبة لي كي أؤمن أن أي نسخة منّي هي أنا، وكاف لإقناعي أن البشر يمكنهم حقاً أن يعيشوا إلى الأبد. أنا شخصياً لست واثقا من نوع النسخة التي سأصل إليها في النهاية، ولكنّ الشيء، مهما كان صغيراً، يبقى أفضل من العدم.

في العقود القليلة المقبلة، سأسعى خلف تطوير نسخة «سايبورغ» (كائن سيبراني - بيولوجي) بسيطة من نفسي، ستتألف من أعضاء آلية وأطراف. وعندما تصبح هذه التقنية متوفرة، سأحمّل نفسي على السحابة وسأسعى خلف مزيد من التطوّر.

ولكن لم الاكتفاء بنسخة واحدة من نفسي بينما أستطيع الاختيار بين أنواع كثيرة أخرى؟ وربّما سأطوّر الكثير من النسخ عنّي في المستقبل. عندما يعثر الإنسان على مصباح سحري يضمن له تحقيق ثلاث أمنيات، لا شكّ أنّ أمنيته الأولى ستكون الحصول على عدد غير محدود من الأماني. إن الطموح «ما بعد الإنساني» ضروري جداً للاستمرار، والكثيرون منّا يؤمنون بأن امتلاك أكثر من نسخة من أنفسهم سيكون أفضل للمستقبل.