العدد 38 - الحضارة التقنية القائمة ليست بحضارة
الحضارة التقنية القائمة ليست بحضارة
 "مع انحدار وتدني القيم المعنوية، لم يعد للحضارة مفهوم سوى الاثراء والتنعّم المادي وفرض سلطة المال وتتميم ما في زوايا النفس البشرية من نزوات، والتغيير والتبديل المستمر لأغراض الاستهلاك، وخلق الجديد المتجدد كل يوم على الدوام. وكأن الانسان قد اصبح عبداً لما يبصر، او يسمع او يشمّ، او يتذوق، ولما يتلهى. ففي يده قيد وعلى رجله قيد، وعلى لسانه قيد، وعلى جوارحه وافكاره وعواطفه قيود.... لان الحضارة القائمة قد خلقت لمختلف نشاطاته الفكرية والجسدية قوالب واطارات واغراض، يتزايد عددها كل يوم، بل في كل ساعة. والناس في قشور حواسهم يمعنون منصرفون لاهون، ولا يفطنون ان الحقيقة وان السعادة هي فيهم وليست فيما تبتدعه لهم الآلة من حاجات وتقدمه لهم من اغراض. وانهم عبثا في الخارج يفتشون.
ان الحضارة التقنية القائمة هي ليست بحضارة، الحضارة الحقيقة لا تقوم في خارج الانسان بل في داخله، وتنزع الى تحرير الانسان وجعله اكثر فأكثر حرية.
وفي الحقيقة، قليلاً ما شاهد البشر على مرّ التاريخ عبودية اقوى واخطر واشدّ رباطاً للعقول وتأثيراً في النفوس من عبودية العصر الحالي. الحضارة المادية القائمة لابد ان تعدّل نفسها بنفسها، والا ستهدم هذه الحضارة نفسها بنفسها."
(من كتابة "محطات انسانية وفكرية وسياسية في تاريخ النضال")