العدد 38 - المجتمع المدني : المعنى والمفهوم
المجتمع المدني : المعنى والمفهوم
 قبل الخوض في ما تحمله عبارة "المجتمع المدني" من ابعاد جعلت منها مفهوماً من المفاهيم الاساسية في الفكر الاوروبي الحديث، لننظر اولاً في ما يمكن ان نحدد به هذا المفهوم على صعيد اللغة.
في اللغة العربية، ترد لفظة "مجتمع" اما بكونها اسم مكان او اسم زمان او مصدرا ميمياً، بمعنى انها اما حدث من دون زمان "اجتماع" ، او مكان او زمان حصول هذا الحدث (مجتمع القوم: اجتماعهم، او مكانه او زمانه)، وبالتالي فهو لا يؤدي معنى اللفظ الاجنبي الذي نترجمه به (societe, society) الذي يعني عدداً من الافراد يشكلون "مجموعة" او جماعة بفعل رابطة ما تجمع بعضهم الى بعض. اما لفظ "مدني" فهو يحيل، في الفلسفة العربية الى المدينة ، الى "الحاضرة" (قارن: بدو – حضر ، بادية - مدينة). وبناء على ذلك، ان عبارة "المجتمع المدني" بالنسبة للغة العربية انما تكتسب معناها من مقابلها الذي هو "المجتمع البدوي" ، او "المجتمع القبلي".
هذا في حين ان اللفظ الاجنبي "civil" الذي نترجمه بـ "مدني"، يستبعد في الفكر الاوروبي ثلاثة معان رئيسية هي بمثابة اضداد له: معنى "التوحش" (قارن بين عبارة الشعوب البدائية/المتوحشة)، في مقابل عبارة "الشعوب المتحضرة" ، معنى "الاجرام" (قارن "مدني" مقابل "جنائي" في المحاكم)، معنى الانتماء الى الجيش (قارن "التعاليم الدينية" في مقابل "القوانين المدنية").
وهكذا، فعبارة "المجتمع المدني" في الفكر الاوروبي هو بناء على ذلك مجتمع متحضر، لا سلطة فيه لا للعسكر ولا للكنيسة. اذن، الفارق كبير بين مدلول عبارة "المجتمع المدني" في اللغة العربية وبين مفهومها في الفكر الاوروبي.
ان مفهوم "المجتمع المدني" في الثقافة الاوروبية ارتبط بالتطور الذي شهده المجتمع الاوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهو التطور الذي شمل ميادين التجارة والصناعة والعلم، وبالتالي الاجتماع والسياسة. لقد انتصرت مدينة الارض على مدينة السماء (مدينة الكنيسة)، وتفككت الاسرة بفعل الانتقال من المجتمع الزراعي الى المجتمع الصناعي، وحلت محلها الشركات والنقابات والجمعيات، وسيطرت التجارة ومنطقها، فتعززت الفردية من جهة، وساد التبادل والاعتماد المتبادل الذي تؤسسه المصلحة الخاصة من جهة ثانية. وجماع هذه التطورات هي مضمون مصطلح "المجتمع المدني". والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: بأي معنى او بأي حق، يمكن نقل هذا المفهوم الى مجتمعات لم تعش هذه التطورات مثل "المجتمع العربي" المجتمع المدني الذي مازال يحتفظ ب، "القبيلة " كمكوّن ساسي فيه؟
ان المجتمع المدني واقع اقتصادي اجتماعي سياسي ثقافي تتضافر في تكوينه عدة عوامل. انه بعبارة بسيطة: المجتمع الحديث الذي يتخذ شكله تدريجياً مع التحول الديموقراطي. والتحول الديموقراطي يتم عبر جملة مطالب منها "حقوق الانسان"، ومبدأ "السيادة للشعب" الذي هو مضمون "العقد الاجتماعي". هذا التحول يتم بفعل تطور داخلي للمجتمع، او بفعل النضال من اجل تحقيقه عبر مطالب معينة، كمطالب حقوق الانسان والمواطن.
(من كتابه "في نقد الحاجة الى الاصلاح" ص. 171 - 174)