العدد 38 - كتاب "365 يوماً مع كمال جنبلاط : نازك عابد"
كتاب "365 يوماً مع كمال جنبلاط : نازك عابد"
عن الكاتب
دراسات عليا في العلاقات الدولية والدبلومسية في المعهد العالي للدكتوراة في الجامعة اللبنانية
مقالات أخرى للكاتب
"عن كمال جنبلاط ومن وحيه" للبروفسور شبلي ملاط
في السياسة: لبنان ليس بخير
العدد الحالي
العدد 38 - كتاب "365 يوماً مع كمال جنبلاط : نازك عابد"
 سيداتي سادتي ، الحضور الكرام
يغمرني شعور عميق ان أكون اليوم في هذا الصرح في مناقشة كتاب اعدته السيدة الدكتورة نازك عابد . شعور بالمؤانسة والرهبة في ان .
المؤانسة ان نكون بينكم ومعكم ، بين مجموعة كبيرة من الأصدقاء ، والرهبة ان نكون في حضرة فكر كمال جنبلاط الحاضر في الجنان والعقل .
بالغ الإحساس وباسترهافات المكان ، المكتبة الوطنية في بعقلين ، واشكر مديرها الصديق غازي صعب على احتضان هذه الندوة، المكتبة التي تعكس فصول من العبور من الحرب الى السلم الأهلي ، من العنف والتفرقة الى السلم الأهلي ، ومن السجن الكبير الى الكتاب اخر مساحات الفكر والحرية في لبنان والعالم العربي اليوم .
الكتاب الذي اعدته الدكتورة نازك ، طبعة جديدة وبموضوعات تتضمن مجموعة كبيرة من مدارات فكر المعلم في السياسة والفلسفة والاجتماع. والشعر والأدب والبيئة . انه مسرح الحياة. وما بعد الحياة . " اذ لا موت في الحقيقة قط "
كمال جنبلاط دوما يصدم ، يخترق ، يتقدم باقصى الوضوح وبتبسيط المركب ف نصوص شفيفة تنتج دربا لا نهائية ونحن في ظل الطريق هذه ، بغزارتها وتميزها .
كم يشرفني ان امثل في هذا اللقاء صديق كمال جنبلاط الكبير ، رئيس رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ، الوزير السابق الاستاذ عباس خلف ، والرفاق والأصدقاء في الرابطة ، والأستاذ عباس خلف يرسل تحياته الطيبة لكم جميعا .
دوما ترى مع كمال جنبلاط الى ما لا يرى ، وان تقرأ ما لم يقرأ، وتلمس هذه التحولات في الزمان والمكان وفي أسلوب الحياة نفسها . وحسنا فعلت السيدة نازك في الدعوة والتحفيز الى قراءة كمال جنبلاط مجددا ، ونحن بحاجة الى قراءته مرات بحواسنا وشعورنا وقلوبنا . والسيدة عابد في مفكرتها ، كتابها ، "موعظتها" ، تقودنا مجددا اليه . نحن هنا في هذه النهضة الفكرية الفلسفية والسياسية والوطنية والقومية العربية والإنسانية والاجتماعية .
مرحلة نهوض نحتاج اليها كمرحلة انتقالية اكثر من اي وقت مضى ، ولم تكن الأمور في الامس نظرية فقط مع كمال جنبلاط ، او مسائل مجردة . السيدة نازك شاهدة شديدة الفطنة في 365 يوما على الحقيقة في مشوار حياة يمتد لعقود من السنيين .
في الشكل :
الايقاع الذي كتب به او اعد الكتاب إيقاع سلس غير متباطئ ، يمشي مع الأفكار ، إيقاع لا يخرب بنية الأفكار . الثورة الفكرية يمكن كتابتها بلغة شاعرية بسيطة ، بلغة الناس ، ويمكن كتابتها بلغة الباحث الداخلية ، وهذا ما فعلته الدكتور نازك وبالشكل لغتها فيها كسر ، نزول الى مستوى يدرس جيدا ، قريب ومباشر وطبيعي . ما عدنا في زمن تسقط فيه النظريات من فوق على الناس . هذه أدوات قديمة . اليوم هناك استخدام لأدوات جديدة من طبيعة الواقع نفسه .
 
 تمشي بسلاسة الى كمال جنبلاط ، واهمية اي كتاب انه يمشي يتحرك نحو الاخر ، وهذا ما تفعلونه في المكتبة الوطنية حيث تسجل اكبر نسبة استعارات للكتاب . الكتاب ليس مكانه محجوزا في المكتبات .
ما أتت اليه الدكتورة عابد ليست قراءة في المصادر ، المواد امامنا. هي تجعل القارئ يخرج النص ، يشارك في تحريك الأفكار .
ثمة فرق بين قراءة توثيقية ، اي ان تقرأ الى المصدر وبعدها تأتي المقاربات . ليست السيدة نازك في هذه المهمة التوثيقية . اللعبة بسيطة وشاعرة ، هي البحث في النص ، ومن النص ، وفي النظرات الجديدة التي يمكن تميزها .
لم تحاول بحياديتها وتواضعها ان تتجاوز النص ، لم تتجاوز النص الى ما هو تحليل . تترك لمن يقرأ التقاط عمق الظواهر ، كما لو انها مؤرخ خارج التفاصيل . تستخدم عابد عرض الأفكار. وليس التأويل . هذا يربك ويريح في ان .
يربك في ان لا تعود بالنصوص الى سياقاتها الاساسية ، تحديد الزمان والمكان ، التمييز بين استعارات النص ، والاستعارات الحرفية . هي تلغي تلك الحدود . لا تأويل في النصوص ، وقد يؤخذ عليها انها كانت مقتصدة في التأريخ . في البنية المعمارية التاريخية للنصوص ( structure ).
هذا يجعلنا بين اليقين والتخمين . هي تأخذ الأمور بنظرة احادية صحيح . ولكنها نازك عابد في مسارها شاهد يخضع النصوص لمصداقية . هي اقرب الى الصحافية ترتكز على مادة واحدة . ولكنها شاهدة غير مشكوك بها ، نجحت في تلمس وتنفس ما اعدته وما ينبض في الأفكار . افكار ليست مأسوية ، بل افكار حاضرة في تقدمينها . وليست مصادفة فيزيائية ان تكون السيدة عابد اول من وصل الى مكان استشهاد كمال جنبلاط في دير دوريت لتكون شاهدة بلا خوف ولا تردد . شاهدة نبض بدايات على نهايات ونهايات على بدايات ..
في المضمون :
الأفكار وحدها ترسم الطريق الى كمال جنبلاط ، ليس اي شيء اخر ، تتنفس طيب هواء شمس ذلك الرجل ، شموسه ، حضوره في كل يوم وورقة ، شخصية لها عالمها ، حيواتها الذاتية وبطريقة خلاقة وبمنتهى النزاهة .
نحن على خطأ اذا اعتقدنا اننا قراناه ، كل شيء يتكرر ليس بالضرورة ان يصير التكرار في القراءة أمراً بيروقراطيا ، بل يقود مع كمال جنبلاط الى نظام افكار جديد ، ان نعتقد اننا نملك الأجوبة ، يعني اننا مثالا مأضويا . على عكس ذلك القراءة الجديدة تفتح على الأسئلة المفتوحة والاحتمالات المفتوحة وتذهب بِنَا من مكان الى مكان اخر في المستقبل من العالم .
كمال جنبلاط ، السحر الجاذب ، المشع ، يدهشك وانت تقراه ، يدهشك مدى حبه للبنان ، في المثال الذي يصنع البطولة . وترجم أفكاره الى الشهادة من اجل لبنان .. نحن نبحث الى الان ، عن هذا اللبنان ، نبحث في المجهول ، اللاشيء ، وسط الفوضى وفساد الأفكار ، وسط عصر الكمائن السياسية . فكمال جنبلاط كان صاحب ثورة حقيقية . الرجل يضرب القلب مثل الحروف الموسيقية ، أفكاره بعيدة وقريبة .
ولكن علينا ان نعيش المفارقة . اننا بين عالمين عالم روما من فوق ، وعالم المدينة اثينا . بين عالم قديم بافكار مأسوية وأيديولوجية ، وبين عالم التكنولوجيا وعالم الإنسان الرابوت . نحن لسنا في عالم المدينة . العالم يمشي اليوم من دون افكار ، او يمشي بافكار مأضوية .
 
 كيف يمكن ان نبني الانسان الجديد ؟
ترامب يمثل تلك الأفكار العنصرية القديمة ، البريكست افكار ماضوية ، أحلام العودة الى الإمبراطورية العثمانية والروسية افكار ماضوية ، اعلان القدس عاصمة لإسرائيل افكار ماضوية ، تحالف الأقليات ، الشعبوية ، كراهية الاخر .. كلها افكار ماضوية فيما العالم يحتاج الى افكار تنويرية ، تقدمية اكثر إنسانية .
كمال جنبلاط يقول : " ما رح يستمر العالم من دون افكار " ما رح يستمر العالم لا بالقمع الديني ولا بهيمنة الأيديولوجيا .
ولكن الضحية التي ستكون الثمن هي الاعتدال ، هي الديمقراطية والعالم يعيش احداث دموية ...
شعوب تحولت كتلا منعزلة ، عالم من الانقسامات المرضية توحي بمرحلة ما بعد الانسان ، ما بعد الحقيقة .
في شي غلط .
لذلك تركيز كمال جنبلاط على الفلسفة . لماذا الفلسفة . لانها الكتاب الأكثر قراءة في أوروبا اليوم . لان الفلسفة فوق الدين . الفلسفة هي العقل ، النقد . لا تنتقد يعني انك شخص ميت معنويا ! لا تقرأ في عالم الاجتماع والفلسفة والتكنولوجيا ، يعني انك تغيب العقل والمنطق والثقافة في جوهرها هي السياسة ، ما في مدينة لا تحب الثقافة ، لا تحب الديموقراطية . هذا يعني كراهية / كراهيات الاخر . الديمقراطية هي التي صنعت المجتمع المفتوح التعددي ، المتنوع في وحدته الإنسانية . في غيابها تسود العالم هذه التقسيمات والفوضى والعنف والانتماءات المرتجعة ، ونشهد تحطم البنية التاريخية الشعبية وتفجر جغرافياتها على نحو ما تشهده المتطقة .
هذا الامر مرتبط بوعي الاخر ، وبوعي الأحزاب للأخطار المحدقة ببلادها وبصعود اليمين المتطرف والديماغوجية والشعبية ، اخر الأرقام تشير الى تقدم اليمين المتطرف والإحصائيات تتحدث عن 30%في أوروبا !
العالم يفقد المعنى السياسي الذي شغل جنبلاط ، لصالح الشعبوية والدكتاتورية . الديمقراطية ومبادؤها ودساتيرها باتت ملغاة ، متهافتة ، عاجزة، خانها الجميع ، كسرت تابواتها ، يتم تكسيرها ، ولكن جنبلاط ابن المختارة يقول لا : " فشل الديمقراطية من فشل سياسييها " .
 
 اربد ان احيي السيدة نازك عابد على الجهود التي بذلتها ، الصبر ، واحيي شعورها ، وما اعدته من افكار يعيشها العالم في تحولاته كافة . كأنها لحظة افتراق ، فإذا بها تحولها الى لحظة لقاء مع الديمقراطية العقلانية ، مع الفلسفة ، وصحة الاختيار الذي انتهى اليه كمال جنبلاط . ابداعية كمال جنبلاط انه كسر الجدران بمنحى عرفاني / صوفي ، كمال جنبلاط شاعر عظيم وجميل صاحب اتجاهات جديدة . يملك قدرة في التوغل في الضمير الإنساني . ما قيمة الديمقراطية ، وما قيمة الاشتراكية ، وما قيمة الليبرالية اذا لم تخدم ضمير هذا الفرد الإنساني ؟
السيدة عابد ، كأنها لم تتركه . الكتاب اعلان حب ، للسياسة عندما تكون مثالية ، ونحن ازاء التفاعلات التي نتلقاها تحولت السياسة الى قصة خيبة اذ لا معنى لأي سلطة لا تؤدي الى التماثل الوطني ... قد نكون فشلنا لاننا لم ننجح في تجسيد ما كان جنبلاط يريد ان يجسده . المثال الديمقراطي تجري محاصرته . السلطة ضد الأفكار . هذا مرتبط بالتضامن الدائم من اجل الحرية . هذا كتاب افكار . قراته ، أحببته كثيرا .
احببت مزاج الأنثى التي رافقت كمال جنبلاط في السياسة وخارجها . السيدة ليست وحدها في هذه الحالة ونحن نرى بعد عقود أشكال من التمييز تتهاوى ، وتتهاوى معها الاوليغارشية الذكوريةر، التراتبية البروتوكولية.
سيدات منكنّ لم تعد تهتمنّ بالسياسة . لكن الفضاء السياسي موجود . السؤال الحقيقي ما الذي ستفعلهنّ كنسوة تملانّ هذه الصالة غدا ؟ الفضاء الاشتراكي / الاجتماعي / العلمي ،الموجه نحو التطور الاجتماعي موجود . مخرب بعض الشيء ، يلزمه وقت . هنا يبرز التطلع الى الجمهور النسائي في هذه القاعة . لنطمئن الى ما في ذواتنا . هذا مصدر كبير للمرضى
شكرا السيدة نازك عابد..