العدد 38 - مقال سياسي: لبنان دولة مدنية علمانية موحدة للخروج من الازمات المتتالية
مقال سياسي: لبنان دولة مدنية علمانية موحدة للخروج من الازمات المتتالية
 ان الازمات التي يعاني منها لبنان حالياً لا يمكن ايجاد حلول لها الا اذا حاولنا اصلاح الاخطاء الماضية التي ارتكبت والتي ادت الى وقوعنا في المآزق التي نحن فيها اليوم، ولا مجال لنكرانها اوتجاوزها، حتى لا تتكرر الاخطاء وتتفاقم المشكلات.
ان المشاكل التي يعاني منها لبنان لا تحل على اسس طائفية وخلفيات مذهبية كانت على الدوام وراء فشل كل محاولات بناء دولة المواطنة في لبنان. ولإنجاح الحل المطلوب الانقاذي يجب الانطلاق من اساس وطني ومنهج حازم وتدرجي في آن معاً، يوصل لبنان الى اقامة دولة مدنية تعتمد العلمنة لتحقيق وحدة المجتمع اللبناني وصهره في بوتقة الوطنية الموحدة، واخراجه من الطائفية السياسية وفدرالية الطوائف المسؤولة عن نظام المحاصصة والزبائنية والفساد.
"ان تجزئة الدولة على اساس طائفي قائم على التكاذب المشترك لا يمكن ان تساعد على تمكين الوضع اللبناني من الاستقرار لفترات طويلة لأن السيطرة في النهاية للطوائف على الحكم ستكون للأكثر عدداً، ومن يضمن ان هذه الطائفة سينقص عددها او يزيد في المستقبل؟ ولهذا سيظل القلق مسيطراً والتسابق على النفوذ السياسي قائماً، والمشاحنات الطائفية مستمرة، وستبقى الذهنية الطائفية الازمة الدائمة للوضع اللبناني.، على ما قال كمال جنبلاط في 14/7/1962 في مقالته لجريدة الانباء، واثبتت الايام والوقائع صواب رؤيته.
وكم كان كمال جنبلاط محقاً عندما كتب في 13/4/1963 "لا تقوم الوحدة الوطنية بالتكاذب المشترك، ولا بالتعصب المتقابل، ولا قي التكتل الديني السياسي لكل فئة من المواطنين في مواجهة الفئات الاخرى. ولا يمكن للقبول المذعن القسري بالعيش المشترك في ظل نظام الطائفية السياسية ان يسمى وحدة وطنية. واحدى الوسائل التي اصبحت مفضوحة هي ان كل من يريد ان يتقوّى طائفياً يخلق مشكلة صغيرة ام كبيرة، يفتعل حادثاً او رواية او خبراً، ليقول لأبناء طائفته: أنظروا، انا حامي هذه الطائفة وانا المدافع عن حققوها ومكتسباتها وامتيازاتها، ولولاي لما كنتم بخير.. يا غيرة الدين!!!"
راقبوا ما يحصل اليوم في البلد من انقسامات وتوترات ذات ابعاد طائفية ومذهبية، وقارنوا، واستخلصوا العبر التي دعا كمال جنبلاط للأخذ بها، اذا كنا حقا نريد للبنان ان ينطلق فعلاً نحو التغيير والاصلاح، وبناء دولة المواطنة والمساواة، امام القانون والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والانماء المتوازن، وممارسة الحقوق الاساسية بكفالة القانون وممارسة القضاء العادل.
 
 كمال جنبلاط رائد الحداثة ورافع راية الاصلاح والتقدم، تميز بسعة الاطلاع وصوابية الرؤية والواقعية، والتطللع الى تأمين مستقبل افضل للبنان واللبنانيين. ومن اجل ذلك، قد يكون في العودة الى ما تركه لنا من تراث، افادة لا تزال ممكنة رغم مرور الزمن. كمال جنبلاط دعا الى:
"تحرير فكر اللبنانيين من نوعين من الكفر تحريراً لا تتحقق بدونه الاخوة الانسانية والمحبة والعدالة الحقيقية ولا تقوم الديموقراطية السليمة.
1- الكفر في التمييز بين الناس فصائل واجناس على اساس معتقداتهم ومذاهبهم الدينية، وجميعها طرق ومسالك ومجاهدات للتطهير والارتفاع والاشراف على نور الحقيقة.
2- الكفر في التمييز بين المواطنين اللبنانيين بالنسبة لحقوقهم السياسية والاجتماعية او ضرورة الخروج من حلقة الطائفية السياسية المقسّمة، لكي يبقى لبنان، وينطلق في تطوره السياسي والاجتماعي." (من كتابه في مجرى السياسة اللبنانية: اوضاع وتخطيط – ص.10)
وحذّر في الصفحة 42 – 43 من المرجع ذاته وكتب:
"لايزال لبنان، منذ الاستقلال، يعاني الازمة تلو الازمة، من جرّاء التمسك بسياسة ابقاء السيطرة الطائفية على الحكم والادارة والاقتصاد. وكان بالامكان الافادة من هذه الازمات وما يعقبها من بروز روحية معنوية وطنية للانطلاق بلبنان نحو تحقيق فكرة مدنية وعلمانية الدولة، وفكرة الوطن والمواطنة، لو توفر للحكم من يستطيع، بحدسه، ان يترفّع عن السياسات الصغيرة، لكي يدفع بعجلة الشعب والتاريخ الى الامام، الى حيث يجب ان يستقر المصير، وفتح باب التطور الوطني العلماني امام الشعب اللبناني."
في هذه الايام يكثر الحديث السياسي عن الدولة المدنية والعلمانية، فهل تتوفر لحكامنا الحاليين الرغبة الصادقة والارادة الفعلية لقرن الاقوال بالافعال، والعمل على التنفيذ السليم لمندرجات اتفاق الطائف، وفقاً لما رسمه من خطة مرحلية تنقل لبنان من فدرالية الطوائف الى دولة المواطنة المدنية العلمانية؟
ليس امام المخلصين الحالمين بقيام الوطن اللبناني السليم سوى الامل وانتظار ان يتحول الحلم الى حقيقة.